ندوة الكتاب المقدس
%PM, %12 %435 %2011 %12:%حزيران

اللقاء السابع عشر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
اللقاء السابع عشر مثلّت مصرَ أرض العبودية والموت بالنسبة للشعب، فهي الأرضُ التي أرسلَ إليها أبناء يعقوب أخيهم يوسف، وهي الأرضَ التي ستُرهِقُ بني إسرائيل بأشغالٍ شاقّة لاحقاً، ولكنها غدت ف
اللقاء السابع عشر مثلّت مصرَ أرض العبودية والموت بالنسبة للشعب، فهي الأرضُ التي أرسلَ إليها أبناء يعقوب أخيهم يوسف، وهي الأرضَ التي ستُرهِقُ بني إسرائيل بأشغالٍ شاقّة لاحقاً، ولكنها غدت في فترة المجاعة، أرضَ الحياة المحفوفةِ بالمخاطرِ والمخاوف والتحدّيات. لقد اعترافَ الأخوة أنهم أبناء أبٍ واحدٍ، في محاولةٍ منهم لدحضِ تهمة التجسس الذي قالها يوسف عنهم، إذ لا يُمكن لأبٍ أن يُرسلَ عشرة أبناء في مهمّة تجسسيه. اعترافهم جعلهم في ورطةٍ كبيرة، فطلبَ منهم يوسف إثباتَ صحة كلامهم في رؤية بنيامينَ معهم. فجعلَ مصداقيتهم على المُحك، ثم وضعَ في أكياسهم الفضّة، فصارت تهمة الكذبِ والسرقة تهمة مُحتمَلَةً، وبالتالي سيواجهونَ الموتَ لا محالةَ. ولكن، كان على يعقوب الأب تحمّل مسؤولية إعالةِ العائلة وضمان سلامتها، فكان عليه أن يختار القراراتٍ الصعبة وخاصّة تلك المُتعلقة بحياة العائلة وسلامته: عليه أن يتخلّى عن تفضيلٍ شخصي وعن سعادة شخصية من أجل رفاهية العائلة وضمانِ مُستقبلها، وهكذا أطلقَ بنيامينَ حُراً، ومكّنَ الأخوة من القيامِ برحلة ثانية، مؤمناً أن رحمة الله ستُرافق العائلة وسطَ هذه التحديات الصعبة، وتصنع للعائلة المُستقبلَ الموعودَ به، حتى وإن تضاربت المُعطيات. عودة الأخوة إلى أرضِ كنعان كان رحلة العودة من مصرَ إلى أرضِ كنعان رحلةً طويلةً مما اُضطرَّ الأخوة للتوقف والراحة. توقفٌ سيتكرر مع موسى أثناء عودته إلى مصر برسالة من الله (خر 4: 21- 26). فتحَ أحد الأخوة، والذي نجهل أسمه، كيسهُ ليُقيتَ الحيوان، فرأى أن الفضّة موجودة في الكيس، فأستغرب، وأستغربَ معهم كل إخوته لمثل هذا الموقف، ولم يشّك أحدهم أن أخاهم هذا سارقٌ أو مُخادعٌ ! بل تساءلوا: "ماذا فعلَ الله بنا؟" نحن نعلمُ أن يوسف فعلَ هذا، ولكنّهم جاهلونَ بذلك، فيُشارَ إلى الله بما يفعلهُ يوسف، وكأن الله يستخدم يوسف ليكون واسطة من خلالها يواجه الأخوة الحقيقة. يوسف ليس الله مثلما سيُؤكّد هو لاحقاً (50: 19) بل واسطة بيد الله. فعزوا ذلك إلى نفس الفضّة التي قبلوها عندما باعوا يوسف. وصلوا إلى أرضِ كنعان وأخبروا أبيهم يعقوب بما حصل، وكيف أن الرجل عاملهم بقسوةٍ، ولم يخبروه بالسجنِ لثلاثةِ أيامٍ ولا عن حبسٍ شمعونَ، ولا عن حوارهم مع بعضهم حول مسؤولية الذنب الذي اقترفوه ضدًّ يوسف، ولا عن اكتشافهم للمال في الطريق. الغريب جداً أن كلَّ مرّة يُغادر فيها الأخوة بيتَ ابيهم يعودون بفضّة وافرة ولكن بخسارة أخِ: يوسف أولاً ثم شمعون. قدّم رأوبينَ أولاد ضمانةِ إزاء مرافقة بنيامينَ لهم في رحلة تحرير شمعون من الأسر، في موقفٍ مُشابهِ لموقف لوطا في مواجهة أهل سدوم الخاطئين (تك 19: 8)، ولكنََ يعقوب ليس مُستعداً بالتضحية لا ببنيامينَ ولا بحفيديه، وبالتالي سيحفظ حياة إبنه وحفيديه أيضاً. شدّة المجاعة توقّعَ يوسف عودة الأخوة إلى مصر بسبب شدّة المجاعة، وإن حبَّ الحياة سيدفع الرجال للنزولِ إلى مصرَ، وهذا ما حصلَ بالفعل. بادر يعقوب بسؤال أبنائه بالنزولِ إلى مصرَ ثانية لأن الطعام نفذَ وعليهم أن يقوموا برحلة ثانية لشراء المزيد من القمح، ويبدو ليعقوبَ وكأنَّ مِصرَ مدينةُ قريبة على أرضِ كنعان، مُتجاهلاً بُعدَ المسافات وتهديدات حاكمِ مصر لأبنائه في المرّة السابقة. تُرى لماذا نسيَ يعقوبَ هذه التهديدات؟ وإذا نسيها، فهل هذا بسبب كثرة الحنطة التي جلبوها معهم حتى أخذت وقتاً كثيراً حتى تنفذَ؟ وقت نسيَ فيه يعقوب قضية حاكم مصر وشروطه وحَبسَ شمعون؟ أو أن يعقوبَ كان يأملُ في أن أبنائه نسوا أمرَ بنيامينَ ولن يأخذوه معهم إلى مصرَ؟ ولكنَّ الأخوّة بينوا بوضوحٍ تامٍ أن الرحلة إلى مصرَ لن تكون من دون بنيامينَ، لذا، تقدّم يهوذا متحدثاً بإسم أخوته وذكّرَ أبيه بشروط حاكمِ مصرَ: يوسف؛ فلن يروا وجّهَ يوسف مرّة أخرى ما لم يكن بنيامين معهم، مع أن يوسف لم يقل الكثير من الكلام الذي قاله يهوذا، ولكننا نفهم أن قصدَ المبالغة هو إقناع يعقوب الأب ليُرسل بنيامينَ. رجلُ مصر هو الحاكم والمُسيطر على مجرى الأحداث الآن، وعلى الجماعة أن يطيعوا، مثلما أن يعقوب هو الحاكم في كنعان وعلى الأبناء الطاعة، ويعقوب يمتلك الآن ما يرغبهُ يوسف: بنيامينَ. فضّلَ الأخوة، على حدَِ تعبير يهوذا، البقاء في كنعان والموت من الجوع على النزولِ إلى مصرَ ومواجهة يوسف، مع أن فرصَ الحياة ستكون أفضل لهم لو أنهم قرروا النزولَ إلى مصر. ولكنَ، قولهم كان لإحراجِ يعقوبَ الأب إذ أنهم لا يُفكرونَ البتةّ في خطفِ بنيامينَ لإنقاذ شمعون والعائلة كلّها. فهل سيُقرر يعقوب موت َالعائلة الكبيرة من أجل بنيامينَ؟ أم أنه سيُعطي للجميع فرصةَ أخرى؟ الكرة في ملعبه وعلينا الانتظار. بدء يعقوب بتوبيخ أولاده على صراحتهم أمام يوسف، هو لا يعرف جسامة الأذى الذي سببهُ له، وهو الوحيد العارف كيف يُمكن إخفاء الحقائق، وأجابَ الأخوة أن الحاكم هو الذي تقصّى وسأل، وما كان عليهم إلا أن يُجيبوه على كلِّ سؤال، ونحن نعرف أن يوسف لم يسألهم عن أبيهم ولا عن أخيهم الصغير، على العكس، هم كانوا مَن أعطى المعلومات وبطواعية كاملة. الجميع يعرف خطورة الحالة، وهي مسألة موتٍ أو حياة بالنسبة للعائلة ككل، لا حلّ بديلٌ عن نزولِ بنيامينَ معهم، وقدّمَ يهوذا نفسه مسؤولاً عن حياة بنيامينَ ضامناً سلامته من جهة، ومحاولاً إقناع يعقوب الشيخ بخطورة الأزمة، فهناك المجاعة من جهة، وهناك مصداقية الأخوة أمام يوسف والتي ستؤثّر سلباً على حياة شمعون الأسير في مصرَ. شعرَ يعقوب بضرورة التخلي عن بنيامين فتنازلَ عنه بنيامين ليُسهلَ رحلة الأبناء إلى مصرَ؛ وهي خطوة هامّ’ في نمو بنيامين الإنساني، لأن بنيامين لن يعيشَ إنساناً مُباركاً ما دام هو في حضنِ الشيخ، وحتى يواجه التحديات ليسمع: "يتحنن عليكَ الله يا أبني" (43: 29)، فكلُّ تاريخنا هو تحت أنظار الله الرحوم. وفي محاولةٍ من يعقوب لضمان عودة بنيامين أوصاهم بأن يأخذوا معهم هدية ثمينة ليوسف، مع أن الأرضَ تُعاني من مجاعة: فمن أين هذه الفواكه الممتازة؟ هناك قحطٌ في الحنطة ووفرة في بعض الفواكه. موضوع الهدية كان أحد الحلول ِالتي أراد بها يعقوب مرضاة أخيه عيسو (32: 14- 22) ليكسبَ غفرانهُ، وقَبلها عيسو بعد توسلِ يعقوب، ولكنََ هذه المرة يتعامل يعقوب بدبلوماسية عالية عندما يزور حاكمَ بلاد أجنبية ولا نعرف إن كان يوسف قَبِلَ الهدية أم لا. وأمرَ ابنائه بأن يأخذوا معهم زيادة في الفضة، لكي يتمكّنوا من إعادة المالَ الذي وُجِدَ في أكياسهم في المرة السابقة، مع المال الجديد لشراء حنطة جديدة، مؤكداً على ضرورة عدم الاحتفاظ بما ليسَ لهم، فلربّما يكون الأمرٌ سهواً، خطاُ الأخوة؟ أم خطأ في مصرَ. الغريب هذه المرّة أن يعقوب يطلبَ عونَ الله القدير في رحلة أبنائه الثانية إلى مصر، فباركهُم: "والله القدير يجعل الرجُلَ يرحمكم فيُطلِق لكُم أخاكم الآخر وبنيامين" (43: 14)، تضرعٌ لم نسمعهُ منه في الرحلة الأولى، لأنه يشعر أنه في أزمة خطيرة: أزمة الجوع وازمة مصير العائلة ومُستقبلها، لذا، فهو ليس مُهتماً بالحنطة بقدرِ اهتمامه بعودة أبنائه: "شمعونَ وبنيامينَ"، مع استعداده التام لقبولَ مصيرَ أبنائه، لأن مصيرَ بنيامين ليس في يد يهوذا، وليس في يدِ حاكمَ مصر، بل في يدّ الله، وهكذا يُريد الراوي أن يُذكّرنا أن الله هو صاحبُ الكلمة الأخير وإن تعمّد البشر تأخير تحقيقَ إرادته. الرحلة إلى أرضِ مصرّ فعلَ الأخوة مثلما أمرهم يعقوب، غادروا أرض كنعان متوجهينَ إلى مصرَ والتحقَ بهم بنيامينَ صامتاً، وتحضّروا للقاء يوسف الذي كان بانتظارهم متأكداً أنهم عائدونَ إليه لا محالة. لم يحظوا بلقائه بل كان هو مَن أولَ شاهدهم قبل أن يُشاهدوه هم، وهو الذي أمرَ وكيلهُ بأن يتعامل معهم، فأوصاه بأن يُدخلهم البيت ويُهيأ لهم مائدة الظهيرة ليتناولها معه، فيكونوا ضيوفَ الشرف على مائدة حاكمِ مصرَ. استقبال الرجال القادمينَ من مجاعة كنعان سيتكرر مع مثل يسوع عن عودة الأبن الضال بعد غُربة ومجاعة مُهلِكة (لو 15: 23). هذا الاستقبال الفخم أثارَ استغرابَ الرجال عوض امتنانهم، وحَفّزَ فيهم الكثيرَ من الأسئلة المُخيفة: فهل هي خديعةٌ أو مكيدة؟ أم مُحاكمة؟ أم ماذا؟ فلا يُوجد مُقارنةٌ ما بينَ استقبال الزيارة الأولى القاسي، وبين هذا الاستقبال المُرحِب والملوكي؟ ولا يوجد مَن يُفسّر لهم كل هذه الإجراءات، ويبدو أن عازمٌ على استضعافهم والإنقضاض عليهم واستعبادهم على حدِّ تعبير الأخوة، لأنه ذات التصرّف الذي تعاملوا به مع أخيهم يوسف قبل عشرينَ سنةً. لقد بينوا عن صدقهم فأحضروا معهم بنيامينَ مثلما طلبَ يوسف، ولكنَّ هناك قضية الفضّة في الأكياس قضية مُعلّقةٌ ولابد من أن يشرحوا للوكيلِ ما حصلَ، لأنهم أبرياء من أي تهمة قد تُلصَق بهم. فتقدّموا إلى وكيلَ يوسف مؤكدينَ براءتهم ما داموا خارجَ الدار ولم يدخلوها بعدُ، فلم يعرفوا بقضية الفضة في أكياسهم، ولم يكونوا على علمٍ بما حصلَ، وقد أحضروها معهم. لقد قدّموا معلومات عن رحلتهم من دونِ أن يتطرّقوا إلى موضوعِ بنيامينَ الذي جعل الرحلة الثانية ممكنة. بالطبع كان يوسف قد أخبرَ وكيله عنهم وعن هويّتهم، ويبدو أنه وكيلٌ مُطيعٌ لكلِّ ما يُؤمَر به، لذا فهو يتحدّث ويتصرّف وفقَ ما يأمرُ به يوسف من دون ِان يزيدَ على أقوالهِ في شيءٍ، ويُبشرهم بأنََ إلههم هو مَن وضعَ هذا الكنزَ، فيُعطي للحدث تفسيراً لاهوتياً، ويُبيّن لنا أن مَن هم خارج نطاقِ الوعدِ قادرونَ على مُلاحظة أعمالِ الله وإعلانها، هو إلهٌ رحومٌ كثير الرأفة، وليس إلهاً دياناً يُعاقبُ على الذنوبِ مثلما تظنونَ يا رجال. ثم زادَ على اطمئنانهم اطمئناناً بأن أخرجَ لهم شمعونَ الذي كان إطلاق سراحهِ مشروطاً بحضورِ بنيامينَ، ودخلوا بيتَ يوسف ومخاوفهم وتساؤلاتهم تزدادُ أكثر من ذي قبل، ولن يطمئنوا حتى يُغادروا مصرَ ثانية. لقاءٌ مُحيرٌ مع يوسف عادَ يوسف إلى بيته بعد غيابٍ غير معلومٍ، وحضّرَ الأخوة أنفسهم والهديةَ معهم مع أن يوسف هو مُهتمٌ بهم أكثرَ من اهتمامهِ بالهديةِ. سجدوا له مؤكدين حلمه السابق عندما كانوا في بيت أبيه يعقوب (37: 7)، وسألهم عن أحوالهم وعن حالةٍ أبيهم الشيخ، ليقولَ لهم أنه لم ينسَ تاريخهم العائلي الذي ذكروه له في زيارتهم الأولىَ لمصرَ، وراغباً في الاطمئنانِ على صحةِ أبيه فالمجاعة مُهلكةٌ للشيوخ وللشباب. سألَ يوسف عن "سلامِ" الآب، وأجابوه: إنه في سلامٍ"، السلامُ الذي غابَ عن علاقاتهم عندما كانوا في بيت أبيهم: "فأبغضوه حتى لم يَقدروا أن يُكلّمهُ بمودةٍ" (37: 4)، والسلام الذي كان أبوه ينتظره منه عندما أرسلهُ إليهم ليطمئنَ على حالهم (37: 14)، هوذا السلام بدء يُشرِق بين الأخوة لاسيما وأنهم جميعاً بعيدونَ عن أرض الميعاد، وهم بأمسِ الحاجة إلى التكاتف والتضامن معاً في علاقاتهم. نظرَ يوسف إلى الجمعِ، وعَرفَ أن رجلاً غريباً أنضمَّ إليهم: هو بنيامينَ، وأردَ أن يتأكّد فسألهم: "أهذا أخوكم الصّغيرَ الذي ذكرتموهُ لي؟"، ولم ينتظر سماعَ الجواب منهم، فباركهُ: يتحنن الله عليكَ يا أبني. فهل جاءت بركة يوسف هذه (حنان الله) استجابة لصلاة يعقوب الشيخ الذي تضرّعَ طالباً رحمة الله (43: 14)؟ أثارَ موقف يوسُف دهشةَ بنيامينَ والأخوة لاسيما وأنه لم يُباركهم في الزيارة الأولى، بل كان قاسياً جداً معهم. مكانته وسلطتهُ تُؤهلهُ لأن يُخاطِبَ بنيامينَ بـ "يا أبني" فليسَ بالضرورة أن يكون بنيامينُ صغيرَ العمرِ هنا. من الطبيعي أن تتحّركَ مشاعر يوسف لرؤيته بنيامينَ، إبنُ أُمه، فأنسحبَ يوسفَ من الجمعِ وبكى لأن الحُكّام لا يبكون أمام الناس، هم عادة يجعلون الناس يبكون. ثم عادَ من دونِ أن يُعطي أي تفسيرٍ عن انسحابهِ، ولم يُخبرنا الراوي عن مشاعر الأخوة وأفكارهم لمثلِ هذه السلوكيات. على أية، يبدو أن يوسف قادرٌ على أن يُسيطرَ على مشاعره ويتحكّمَ بها لفترة من الزمنِ. تم تحضير المائدة وأعتنى يوسف بأن يجلس الأخوة كلٌّ في مكانه وحسب مرتبته، وصاروا أصدقاء مصرَ بعد أن كانوا أعداءها (42: 9، 14)، فالجلوس على مائدة واحدة للطعام هو علامة لعلاقة صداقةٍ مقبولةٍ من جميعِ الأطراف. قُدّمت ثلاثُ وجباتٍ من الطعام: واحدة ليوسف وحده، وأخرى للمصريين المتواجدينَ هناك، وثالثةٌ للأخوةِ. يتمُ الحفاظ على "المحظور": عدم تناول الطعم مع العبرانيين لئلا يتنجّسوا. هذه هي المرّة الثانية التي فيها تفصلُ وجبةُ الطعام يوسفَ عن إخوته، ففي المرّة السابقة أكلَ الأخوة طعامهم ويوسفُ في البئرِ محبوسٌ (37: 25). في المرّة الأولى كان هو الضحية، أما الآن فهو المنتصِر، وهو المُسيطر على مجرى الأحداث، فلم يتعاملَ معهم مثلما تعاملوا هم معه، فهيأ لهم طعاماً، وكررَ يوسف سلوك َابيه الذي به فضّله على إخوته فصنعَ له قميصاً مُلوّناً (37: 3)، وها هو يُخصُّ بنامينَ بحصّةِ طعام أكثرُ من الأخوة بخمسِ مرّاتٍ، في إشارة غير مُباشرة عن علاقة الأخوة التي تربطهُ بهم من دون أن يفهموها، ونتفهم سببَ عدمِ تعرّفِ الأخوةِ لهذه الإشاراتِ الغير المباشرة، فكلُّ مَن يختبر هذه الظروف تضيعُ عليه مثل هذه التفاصيل. أثارت هذه المواقف دهشة الحاضرين من مصريين والأخوة أنفسهم، فمَن هم هؤلاء القوم حتى يُعاملهم يوسف بهذه الحفاوة؟ ويفرش لهم السجّاد الأحمر؟ وكيف عَرِفَ يوسف ترتيبَ الأخوة وأعمارهم؟ فالموضوع ليسَ مائدة اعتيادية، بل حفلُ استقبالٍ مهيبٍ، استقبالٌ فيهِ شربٌ وسُكرٌ، وتوقّعُ المُفاجآت الغير السّارة كما حصلَ مع نوح (43: 34). شعرَ يوسف بأن الوقت لم يحن بعد ليُخبرهم عن هويته الحقيقية، فلابد من اختبارٍ آخر، وتتواصل القصّة.
قراءة 12622 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %050 %2015 %03:%تشرين2

1 تعليق

  • تعليق Kellye %AM, %22 %935 %2018 %00:%أيار أرفق Kellye

    I every time used to study article in news papers but now as I am a user of internet thus from now I am using net for articles or
    reviews, thanks to web.

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *