ندوة الكتاب المقدس
%PM, %08 %725 %2011 %19:%آذار

اللقاء الثاني عشر: قصّة يوسف

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
دعوّة الله الخفيّة (تك 37: 1- 50: 26) ونحنُ نعلمُ أن الله يعملُ سويّةً معَ الذين يُحبّونهُ لخيرهم في كلِّ شيءٍ، أُولئِكَ الذي دعاهم حسبَ قصده، فالذينَ سبقَ فأختارهم، سبقَ فعيّنهم ليكونا على مثالِ صو
دعوّة الله الخفيّة (تك 37: 1- 50: 26) "ونحنُ نعلمُ أن الله يعملُ سويّةً معَ الذين يُحبّونهُ لخيرهم في كلِّ شيءٍ، أُولئِكَ الذي دعاهم حسبَ قصده، فالذينَ سبقَ فأختارهم، سبقَ فعيّنهم ليكونا على مثالِ صورة إبنهِ حتّى يكونَ الأبنُ بكراً لإخوةٍ كثيرينَ، وهَؤلاء الذين سبقَ فعيّنهم، دعاهُم أيضاً، والذينَ دَعاهم بّررهم أيضاً، والذينَ بررهم مجّدهم أيضاً". (روم 8: 28- 30) كيف يُمكن لإنسان أن يتحّدث عن إيمانٍ بالله عندما يختبر أن أساليب الإيمان التي تربّى عليها ليس لها حياة في الواقع الذي يعيش فيه؟ كيف يُمكن لإنسان أن يتكلّم عن الإيمان بإلهِ الوعد وهو يختبر حالةَ رفضٍ الواقع من حولهِ لخبرة الإيمان الشخصي بهذا الإله وبالخبرة الإيمانية التي يسعى ليعيشها بصدقٍ؟ ما معنى أن تثقَ بالله وتؤمنَ به إلهاً راعياً على الرغم من كل الصعوبات؟ كيف يُمكن أن يتعامل الله مع أفعال الإنسان الشريرة؟ وهل سيسمح الله أن يكون للشرِ والخطيئة الكلمة الأخيرة في حياتنا؟ أسئلة حاول الراوي الإجابة عليها من خلال رواية يوسف التي تأتي ضمن سلسلة روايات الآباء في سفر التكوين، ولكنَّها تختلف كُلياً عن قصص إبراهيم وإسحق ويعقوب. قصّة أرادت أن تؤكدَ على أن الله يعمل مشيئته على نحوٍ خفي في تاريخ الإنسان، ويُكمّل تدبيره مُتجاوزاً مواقف الإنسان أو أفعالهِ، قصّة لها موقفٌ مَهيبٌ من الله الذي يُراقِب الإنسان، ويُغيّر مسارَ الحداث لتعمل لصالح مُختاره. إلهنا يُحقق تدبيره على الرغم من عبودية مصر، وعلى الرغمِ من جهود يوسف وإنجازاته، وحتى محاولات أخوته لتحجيمَ تدبير الله أو تناسيه. ربّنا لا يُظهِر نفسه، ولا يتكلّم في قصّة يوسف، ولكنه يبقى هو صاحبُ الحلم الأول، صاحب المشروع الأول، وهو حاميه أيضاً فما يبقى في نهاية القصّة هو الحٌلم بعد موت أبطال القصّة، هذا من جانب. من جانبٍ آخر، يُمثل يوسف "الزيادة": الربّ يزيد، فهو زيادة من قِبلِ الربِّ، وهو زيادة الهدية (الرداء) الذي أعاد ترتيبَ العلاقات كلّها ما بينَ الأخوة، وهو زيادة رحمة الله على العائلة المُحاصرة بالمجاعة، فصارَ المُنقذ للعائلة التي اُنتهِكَت فيها العلاقات بسبب زيادة الحب المُفضِل من قبل الأب يعقوب. ويالها من غرابة: مَن جاء آخراً صارَ أولاً، بل حاملاً بركةَ العائلة. وأكثر من ذلك، أحبَّ الله يوسفَ ورافقه في الظروف الصعبة، لاسيما في أوقات الشدّة، مع أنه لم يكن يفهم ما معنى ما يختبره من أزمات. فيوسف هو شخصية عليه أن يتحملّ في حياته حُبَّ وكره الآخرين، مع أنه لم يكن فاعلاً على نحوٍ علني لجذب الآخرين نحو محبّته أو مٌهيناً لهم ليغضبوا عليه. وهو يُواصل في نفس الوقت أزمة "المنافسة الأخوية" التي بدأت مع قايين وهابيل، إسماعيل وإسحق، عيسو يعقوب والتي أقحمَت الأخوة في صراعاتٍ إستنزفت قواهم وحدد أسلوبَ حياتهم ومُستقبلَ نسلهم. تكوين 37 المُقدمة (1- 4) مكان القصّة هو أرض كنعان التي أضحت في مواجهة مع أرضِ مصر. أرض كنعان تغرّب الآباء، وهي إشارة سلبية النبرة، ويُتوقّع منها تبعات مؤلمة، أمام أرضِ مصرَ، حيث القوّة والموقف العدائي المتواصل مما يجعلها أرض العبودية والموت. فبعد ما انتهت إليه قصّة يعقوب الآب، واستقر يعقوب في أرضِ الميعاد، يأتي السؤال الآن: مَن سيتولّى قيادة العائلة الكبيرة بعدَ يعقوب: رأوبين أم شمعون أم لاوي أم آخر غيرهم؟ سبقَ وأن لأعطى الراوي بعض القصص عن حياة هؤلاء والتي بيّنت عدم رضى يعقوب الأب عن تصرفاتهم: "كدّرتماني وجَلبتُما عليَّ البؤسَ عند أهل هذه الأرضِ، وعندَ الكنعانيين والفرزيين، ونحن قليلٌ عددُنا، فإن اجتمعوا عليَّ وهاجموني هَلكتُ أنا وأهلُ بيتي" (تك 34: 30)، ويبدو أن دانَ ونفتالي وجادَ وأشيرَ أبناء بلهةَ وزلفة كانوا ذا سمعةٍ سيّئةٍ أيضاً، وهو ما سينقلهُ يوسف عنهم إلى أبيه يعقوب (تك 37: 2)، هذه كلّها أعطت ليوسفَ مكانة مُتميّزة عند أبيه، فعلاقته معه أفضل من علاقة إخوته مع يعقوب، مما يُشير إلى أن يوسف هو الأبنُ المُختار من قبل الأب؛ اختيار أدخلَ العائلة كلّها في أجواء عدائية مرّة أخرى؛ ويبدو في بعضِ الأحيان أن لنا "يعقوب صغيرٌ من جديد". جديرٌ بالمُلاحظة أيضاً أننا نلحظُ إنتقالاً من قصّة فردٍ: إبراهيم وإسحق ويعقوب، إلى قصةِ شعبٍ، فمنذ الآن ستبدأ قصة تاريخ شعبٍ إسرائيل وليس شخص إسرائيل. أول ما يُمكن ملاحظته هو أن الراوي أبقى على الاسم: يعقوب مع معرفتنا أن الأسم تبدّلَ منذ تك 32: 29، وهذا مُؤشّر على أننا مازلنا في ذهنية يعقوب ومواقفه: المُساومة والمخادعة وتفضيل الصغير على الكبير ... وهذه كُلّها مواقف تتبعها أزمات علائقية كبيرة في العائلة الواحدة، ناهيكَ عن عدم قُدرة الأب على السيطرة على مشاعر أبنائه ولا على مواقفهم، فلهم سلوكياتهم الخاصّة عندما يكونون بعيدينَ عن الخيام، وأحدثت قراراتهم أزمات مع القبائل المُجاورة كما حصلَ في قصة اغتصاب دينة (تك 34: 1- 31)، ثم في محاولة قتلِ يوسف لاحقاً. كان للأخوة حرّية التنقل في الأرض من دون العودة إلى أبيهم في ذلك، وسيكون لهم حرية التصرّف بيوسف من دون الأخذ بعين النظر موقف أبيهم. بعد 17 سنة من ولادة يوسف (تك 30: 23- 24) يظهر على مسرح الأحداث راعياً للغنم مع دان ونفتالي وجاد وأشير ابناء بلهة وزلفةَ. سبعة عشرة سنة قضاها في أرضِ كنعان، وسيقضي سبعة عشرة سنة في أرض مصر، لتبرُزَ للقارئ المُضادّة ما بين أرض كنعان، أرض الميعاد، وأرض مصرَ، أرضُ العبودية. يُقدم الراوي يوسف إبناً طيّعاً لأبيه، ومُدبّراً للعائلة في مراهقته مثلما سيكون مُدبّراً للأرضِ في سنوات شبابه. خرجَ ليرعى الغنم مع إخوته، والعبارة تسمح لنا بتفسيرها: يرعى إخوته وهم يرعونَ الغنمَ، وسيقبَل الإرسالية من أبيه لاحقاً ليذهبَ إلى شكيمَ ليتفقّد إخوته. يبدو أن يوسف نقلَ أخباراً شنيعة عن إخوته إلى أبيه يعقوب، مما يعني أنه عزلَ نفسه عنهم؛ مسافة وهوّة في العلاقة ستتعمّق من جراء محبّة يعقوب الأب ليوسف الأبن، فحصلَ من الحبِّ والرعاية ما لم يحصل عليه بقية أخوته. الأب الذي أندفع منذ أن كان في بطنِ أمه للحصول على المكانة الأولى، وتجاوزَ كلَّ الأعراف الاجتماعية ليكونَ أولاً، ها هو في شيخوخته يُفسِد علاقات الأبناء عندما يُعلنَ لهم بهدية "القميصَ المُلّوَن" التي قدّمها ليوسف: أن هذا الشاب هو حامي مصيرَ العائلة، لأن تقديم القميصَ الموشى له يعني إعطاءه سلطة على جميع أخوته، وهذا ما يرفضه الأبناء؛ فأبغضوه. غير متناسينَ أن الأخوة كانوا قد رفضوا يوسف مُسبقاً عندما لم يُشاركهم السوء، وأخبرَ أباه عن مساوئهم. حبُّ الأب حفّز في يوسف الكثير من التطلّعات وجعله يشعر بأنه سينال أكثر مما سيناله الأخوة من بركاتٍ وعطايا، وبذلك يكون الأب قد ربّى ولده ليحلم، فمحبّته المُفضِلة ليوسف حفّزت حقد الأخوة ووضعت العلاقات في مُثلّث الحُب والحقد. فجميعاً يشعر أحياناً أنه محبوبٌ بشكلٍ كبير (يوسف) أو يُحبُ بشكل كبير (إسرائيل) أو لم يُحَب بشكلٍ كافٍ (الأخوة). سلوكُ يوسف ومحبة الأب المُفضِلة له حملت معها غضبَ الأخوة، وعدم رغبتهم في محادثة يوسف أخيهم بمودّة. ولكنَّ الله أحبَّ مَن رفضهُ الناس، وأظهرَ ذلك عبر رسالة أرسلها في حلمين إلى يوسف، فكانت سبب غضبِ الأخوة وكُرههم له. أحلام يوسف (5- 11) حلم يوسف، لأنه كان مدعوّاً إلى الحلم لا إلى العمل، هذه كانت دعوته، ويفهم الراوي أن الحلمَ هو هبةٌ (نعمةٌ) من الله وله فيه تدبيرٌ خفيٌّ. حُلم سيكون سبب خلاف بين الأخوة، وسيقف جميعهم في مواجهة لإفشالهِ تُشاركهم إمرأة (تك 41) ومجاعةٌ، إلا أنهم فشلوا. يسعى الحلم لتغيير الحالة الحاضرة نحو واقع جديد، ومع أنه مُبتغى شخصي إلا أنه يُشكلّ في تفاصيلهِ ومضمونه تهديداً للأخوة، وسيحوّل العلاقة إلى مسألة موتٍ أو حياة، ولكن ما هي قوّة هذا الحلم؟ يأتي هذا الحلم من أُناس ضُعفاء يطلبون السلطة وفي طلبهم يُغيّرون الواقع المعمول به، لذا ُيُشكّل هذا الحلم تهديداً صريحاً للأعراف الاجتماعية، فيثُير غضبَ الأخوة (الشعوب)، لأنهم مُلزمون بالإنحناء أمام يُوسف، وهذا ما يُزيد من كمِّ الحقدِ بين الأخوة، فيُوصلهم إلى الحسد، فتتولّد رغبةُ إنهاء الآخر (قتله)، فالحُلم هو أساس قصّةُ يوسف فمن دونه ليس لنا يوسف وليس لنا قصّة، ومن وجهة نظرِ الأخوة لولا الحلم لما كانت هناك مُشكلة، ومن جانب إسرائيل الأب لو الحلم لما كان هناك ألمٌ وتحسرٌ وخسارة. يرى يوسف الحلم ويشعر بضرورة أن يروي هذا الحلم، فدعاهم ليحكي لهم حلمه. تضايق أخوته من طموحاته التي تضمنها الحلم، فضمنوّه يهذي، إلا أن الراوي لا يخفي حقيقة أن أخوته صاروا يُبغضونه أكثر من ذي قبل. نلحظ أن يوسف لا يُفسّر أحلامه، بل يروها مثلما هي، ويترك مهمّة التفسير لأخوته، والذين بدورهم لا يتركونَ ليوسفَ أي مجال للتفسير. من المهم أن نلحظ أن يوسف لم يُفسّر لهم الحلم، بل هم فسروه انطلاقا من مخاوفهم وتحفظاتهم. يرى يوسف أن الله أعدَّ لحياته تدبيراً، ويشعر بحماسةٍ لمُشاركةِ إخوته هذه الرؤية. "حزمة في الحقل" أهي حنطة أم شعير؟ لا نعرف تحديداً، ما نعرفه أن "الطعام" سيلعبُ دوراً هاماً في حياة يوسف والمُحيطينَ به. ثم يرى حُلماً آخر: كأن الشمسَ ساجدةٌ لي، والقمر وأحد عشرَ كوكباً"، وهنا يعلو صوت أبوه ليُوبّخه، من دون أن يغضَب عليه، على مثل هذا الحلم والذي فسّره بأن "أبوه وأمه" (والتي يُفتَرَض أن تكون قد ماتت في تك 35: 19، فالسؤال هو: هل أن أمهُ ما زالت حيّة؟ أم أن ليئة جاريتها صارت راعية لهما) سيسجدان له، مع إخوته الأحد عشر، بضمنهم بنيامينَ. لقد سجدَّ يعقوبَ أمام أخيه عيسو (33 :3)، وعليه الآن أن يسجدَ أمام إبنه يوسف، وسبقَ وأن سجد أبناء يعقوب أمام عيسو وعليهم الآن أن يسجدوا أمام أخيهم يوسف. غَضِبَ إسرائيل من حلم يوسف لكّنه لم يكرهه، بل على العكس، "حَفِظَ هذا الكلام في قلبه" (11ب)، لربما لم يقبل ما وردَ في الحلم، إلا أنه لم يرفضه، وبقي متحيراً من أمره، وكلّه أملٌ في أن يكون هناك مما يبدو للعيان، فلاحظ ما لم يلاحظه الأخوة الخائفونَ وإنتظراَ ليتحققَ الأمر في الوقت الذي يُريده الله أن يتحقق: "حَفِظَ هذا الكلام في قلبه". على أية حالٍ، تحدّثَ الحلم الأول عن تدبيره الإقتصادي أما الحلم الثاني فأخبرَ عن سيادته الزمنية والمكانية، كلا الحلمين أثارا غضبَ الأخوةِ ضدّه يُرافقه مشاعر الحسد لتُزيد الأمرَ سوءٍ فتتولّد رغبة القتل. كان يوسف مبعثَ تهديدٍ للأخوة، وهوذا يتحوّل الأخوة ليُشكّلوا تهديداً صريحاً لأخيهم وللأمل الذي حمله الحلم. لم يكن بإمكانه مُقارعتهم، لذا واجههم بالحلم الذي أرادَ من خلاله أن يُغيّر الواقع المفروض على الجميع. علينا ان لا ننسى أن تفسير الحلم يعتمد هنا على سامعه وكيفية تفسيره. لاحظنا أن يوسف لم يكن مُفسراً لأحلامه بل راوياً لها، مُستمعوه؛ إخوته هم فسروها مُتوهِمينَ أن هذه هي رغباتُ يوسف وتطلّعاته، أما يعقوب الأب فكانت الأحلام موضوعَ تأمل. ولكنَّ الله كَشَفَ ليوسف وللأخوة معنى أن تكونَ حاكماً، يعني أن تعني بتدبير الأخوة والأخوات، فتبرُزَ خادماً. إذهب وتفقد سلامة الأخوة (12- 36) طلبَ يعقوب (إسرائيل) من يوسف أن يذهب خلفَ إخوته الذين رحلوا لرعاية الغنمِ عند شكيمَ، ليطمئنَّ عليهم، ويأتيه بخبرِ سلامٍ؛ تُرى هل أن يعقوب مُستعدٌ لتلقي كل الأخبار؟ هل غابَ عن أنظاره غضبُ الأخوة من يوسف؟ أم أنهم أخفوا عنه مشاعر الكره والحسدِ التي ثارت فيهم ضدَّ يوسف؟ هل أن يوسف نفسه لم يستشعر الحقد والكره لدى أخوته تجاهه؟ أم أنه آثرَ أن لا يُخبِرَ أبيه بتعامل أخوته معه؟ على أية حالٍ قَبِلَ الإرسالية على الرغم من معرفته أنه غير محبوبٍ من قبلهم فقال: "ها أنا". وتاه في هذه الرحلةِ، فصادفَ رجلاً أخبره أنهم في دُوثانَ (وهي مدينة شمال شكيمَ تبعد عن حبرون مسافة 65 ميلاً)، فذهبَ مُعتمداً على عونِ الرجل الغريب وتوجيهاته، ووجد أخوته مثلما قالَ الرجل. تحدّثَ الراوي عن تيه يوسف في الصحراء، وستكشفُ الأحداث القادمة مَن هو التائه الحقيقي في القصّة. لم يكن الأب الكبير حاضراً في لقاء يُوسف الذي يحلم بمُستقبلٍ واعدٍ وزاهر، مع أخوته الذين يرون المُستقبلَ حاملاً تهديداً عليهم أن يُوقفوه بكل الطُرق. إنسان غضوبٌ حسودٌ يلتقي أخيه في البرية، بالتأكيد لن نتوقّع خيراً من هذا اللقاء. لذا، لم يُخفِ الأخوة مشاعر الحقدِ تجاه يوسف: "تعالوا نقتلهُ ونطرحهُ في البئرِ". لم يتوقّعوا أبداً مجيئه، ولم يخطر في بالهم أنهم سيُواجهونه يوماً بعيداً عن حماية الآب، أو لربمّا لم يكن في الحسبان أن يكون اللقاء بهذه السرعة. قرر الأخوة إذن إيقاف (قَتلَ) صاحبُ الأحلام الطموحة، وبالتالي إيقاف الحلم وتأثيراته المُستقبلية. كانوا غضبين من محبّة الأب التفضيلية له، وغضبوا من نقله أخباراً عن سلوكياتهم السيئة، ومن القميص الملّون، ولكن ما أغضبهم جداً هو أحلامه وطموحاتهُ. فيتصرّفون معه عكسَ ما قاله الحلم، فيُنزلوه إلى هاوية الموت، عوضَ أن يصعدَ إلى عرش الملوكية. لقد غابَ عن أنظارهم أن الحلم هو أقوى من محاولاتهم، وهم ومع كلِّ قوّتهم، ووحشيتهم الشريرة لا يستطيعون إيقافَ مشروع الله، لربّما يُؤخرونهُ لفترة لأن الله يحترمُ قراراتِ الإنسان ولا يتدخل على نحوٍ يُلغي فيه حُريته، ولكّن الله سيُكمِل مشيئتهُ. يسعى رأوبين للتدخل على نحوٍ إيجابي لإنقاذ يوسف، فقدّمَ خطة بديلة عن قتلِ يوسف، وذلك بطرحهِ في البئر، والذي كان يُشبه في شكله قنينةً ضيقة الفوهةِ من الأعلى، صحيح أن فرص النجاة بالنسبة ليوسف ستكون قليلةً، ولكن على الأقل لن يُسفَك دمه، فدمُ الأخ سيصرخ إلى الله: "دَمُ أخيكَ يصرخ إليَّ من الأرضِ" (تك 4: 10). ولكن، أراد راؤبين أن يُنقِذ يوسف، فعادَ إلى البئرِ فلم يجد يوسف، (30). كان مُستعداً لأن يضعَ نفسه في مواجهة أخوته الذي سعوا إلى قتلِ يوسف، وبالتالي يكون هو الآخر موضعَ هجومِ مُنتقمٍ مثلما كان يوسف. لربما أرادَ رأوبين إنقاذ حياة يوسف لُيصلِحَ علاقته بأبيه بعد إساءة مُضاجعةِ بلهة جارية راحيل (35: 21)، فيُعيد إلى أبيه إبنه المحبوب يوسف مُنقذاً إياه من موتٍ مُحقق، فيمثُل أمام أبيه الأخُ الأكبر والمسؤول عن حياة العائلة وسلامتها. مهما يكن الأمر، يبدو أن رأوبين لم يكن لديه أي تأثيرَ على الأخوة، كلمته ليست مسموعةً البتّة. على أية حال، أمسَكَ الأخوة بيوسف، ونزعوا عنه الرداء تمهيداً لقتله، ثم طرحوه في بئر يابسة ليموتَ من الجوع والعطش. خبرة الظُلمة الموحِشَة في البئر عبّرت عنها كلمات: "فارغة لا ماء فيها" (24)، وهي إستباقٌ للمجاعة التي ستحصل في السنوات السبع (41: 27)، فما أرادهُ الأخوة ليوسف، سيكون هو مصيرهم في المستقبل. يأتي تدخّل يهوذا الذي يُوافِق على قرار الأخوة في التخلّص من يوسف وإبعاده عن مسرح الأحداث، ولكن يُريد الإستفادة من هذا الموقف، فيقترح "بيعه عبداً للإسماعيليين" (26- 27)، ثم يُنقذ العائلة من مشاكل في المُستقبل، لاسيما إن ثبّتَ التاريخ أن الأخوة كانوا سببَ قتلَ أخيهم وسفكِ دمه. ويبدو أن الأخوة كانوا مُستعدينَ لسماع يهوذا أكثر من سماعهم لرأوبين. تجنّبَ الأخوة مواجهة صريحة مع الأب الشيخ، لذا قاموا بإرسال القميص الموشى بالدم إلى أبيهم، ليُفسَّر هو بنفسه ما حصلَ لأبنه: لقد أفترسه وحشٌ شرير. الرداء الذي قُدِّمَ ليوسف علامة ملوكيّته وسلطانه، أضحى علامة موته وهزيمته أمام أخوته، ودليلََ جريمة الأخوة، وبرهان افتراسه من قبلِ وحشٍ شرير، مَن هو هذا الوحش الشرير؟ رداء الحب الكبير صارَ رداء الكره العظيم. رداء تعزية الأب لمقتل إبنه سيكون حاضراً أمام عيون أخوته إشارةً لجريمتهم أيضاً. وخداع الأب الذي لم يسلم من المخادعات حتى في شيخوخته، ولم يعرف أن الوحشَ موجود في نفوس أبنائه اللذين استسلموا للغضب والحسد القاتل، وأنتصر كُره الأخوة على محبّة الأب. وفي كلِّ هذه الأحداث لم نسمع من يوسف أي كلمة، فبقي موضوعَ حبِّ وكره الآخرين، وطيّعاً للأحداث وللأشخاص ولرغباتهم. مع فعلة الأخوة الشريرة بدء الطريق نحو عبودية مصر، فيُوسف ليس مقتولاً، ولكنه ليس حُراً أيضاً، والسبب: عبودية أخوته للخطيئة والتي ستقود العائلة كلّها لعبودية مُذلّةٍ في مصر، ولكنَّ الله لن يترك للخطيئة أن تقول كلمتها الأخيرة، لأنها لم تكن صاحبة الكلمة الأولى أيضاً، لذا، سينزل الله مع يوسف إلى مصر ويُرافِق بارّه دوماً ولن يخذلهُ
قراءة 10192 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %049 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *