ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %359 %2011 %10:%شباط

ندوة الكتاب المقدس اللقاء الحادي عشر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الحادي عشر وجهاً لوجه مع الله، وجهاً لوجه مع عيسو (32: 23 – 33: 17) التقليد الايلوهي 32: 23- 33، التقليد اليهوهي 32: 23- 33 حاول يعقوب جاهداً تفادي اللقاء المُباشر وجهاً ل
الندوة الكتابية اللقاء الحادي عشر وجهاً لوجه مع الله، وجهاً لوجه مع عيسو (32: 23 – 33: 17) التقليد الايلوهي 32: 23- 33، التقليد اليهوهي 32: 23- 33 حاول يعقوب جاهداً تفادي اللقاء المُباشر "وجهاً لوجه" مع أخيه عيسو، ولم يجد مخرجاً لهذه المُشكلة، فجاء الليلُ ثانية عليه، مُحمّلاً بالمخاوف وبتأنيبِ الضمير والذكريات المُؤلمة التي أرادَ أن يتناساها لسنواتٍ طوال، ولكنَّ لابد من مواجهتها وحيداً، لذا، عبّرَّ الجميعَ إلى الضفة الأخرى ليبقَ هو وحده إستعداداً للقاء عيسو، ولكنه إستعدادٌ تضمّنَ صراعاً طويلاً ومُنهِكاً. كان على يعقوب أن يتحمّل المسؤولية وحده، ولا يوجد بديلٌ عنه في ذلك. رَفَضَ يعقوب دوماً الإقرار بالهزيمة، ولكنه عرِفَ أن تجنبِ المواجهةِ أمرٌ مُستحيل، وهو ليس بالشخصية التي تنسحب من الصراع، حتى ولو خرجَ منه مُصاباً بالعرجِ (أو هجرة قسرية خارج بيت أبيه، أو خدمة كأجير لسنواتٍ طويلة)، فما كان يهمّه هو أن ينالَ ما يطمح إليهِ. ومع أنه هو إنسان خائف مُرتعبٌ من الله ومن أخيه، ضعيفٌ ومُتوسلٌ رضى الآخر، إلا أنه بقيَّ صامداً ومثابراً لينالَ ما يُريد. علينا أن نفهم أن الله لا يُستهانُ به، لذا، فلن تكون عملية المٌصالحة عملية رخيصة ومن دون تكاليف، لأنها قد تُكلّف الإنسان حياته: "الله الذي صالحنا بموت إبنه يسوع المسيح"، وهوذا يطلب من يعقوب السير نحو مُصالحةٍ مع أخيه عيسو المُخدوع من قبله قبل عشرين سنةً. الكلمة المفتاح لهذا النص هي: عبور النهر، عبورٌ جغرافي وتاريخي ولكن الأهم هو العبور الشخصي إلى المجالات التي حاولَ جاهداً تجنّبها كل هذه السنين. يعقوب الذي عَمِلَ ما لا يستطيع عدّة رجال عمله (29: 3)، وَجَد نفسه مشلولاً عن فعِلِ شيء إزاء مواجهة أخيه عيسو، فكان عليه أن يتّخذ يعقوب مسؤولية اللقاء والمواجهة على عاتقه، فبقيَّ وحيداً في تلك الليلة يُفكّر في خُطط جديدة، فتصارع حتى الفجر مع "رجل الله، ملاكِ الله". خوفهُ مَنَعَ عنه النومَ، فإنفصلَ عن القافلة ليُزيد تباعده عنهم، ولربمّا عن عيسو! وليتراجعَ خلف القطعان مثلما أوصى رُسله الذاهبون للقاء عيسو (32: 19)، وهكذا أصبحَ وحيداً بعيداً عن الجميع، وهذا كانت إختياره كل الحياة. حيثُ أشرقت الشمس التي غابت منذ هروبه من كنعان. عَبَرَ يعقوب ومعهُ رغبتهُ في أن يكونَ مُباركاً، فسألهُ المُصارعَ: ما أسمُك؟ بمعنى: مَن أنتَ؟ كيف ترى حياتَكَ؟ ما حقيقتُكَ يا يعقوبَ؟ وكلّنا يعرف يعقوب: يعقوب الطفل المُتصارِع ليكون أولَ مَن يخرج من بطن أمهّ! يعقوب الذي إستغلَّ جوع أخيه عيسو وأشترى البكورية بصحنِ عدس! يعقوب الذي إحتالَ على أبيه إسحق ويسرق بركتهُ! يعقوب الذي إغتنى على حساب خالِه لابان! يعقوب الذي حاولَ سرقة سني حياته على حساب حياة الآخرين في مواجهة عيسو! يعقوب الذي حاولَ رشوة عيسو ليسرَقَ غفرانهُ! فإذا أرادَ يعقوبَ نيلَ البركة حقاً، عليه أن يتغيّر، وأول تغيير يكون تغيير الأسمِ، فهذا البركة لا ينالها الإنسان بالغشِ والمكرِ والخداع. من هنا جاءت لمسةُ المُصارعِ لتُطهّر حياة يعقوب التي كانت في مجملها صراعاً مع الجميع. لقد صارعَ الله والبشر وأرادَ نيل البركةِ والإحتفاظ بها بجهوده الشخصية، فعمِل جاهداً لتحقيق هذه الطموحات. رَغِبَ في أن يُسيطر على مُجريات الأحداث ويصنعَ مصيره بنفسه، لم يستسلم واثقاً لحركةِ الحياة، بل واصلَ طريقهُ ليُؤَمِنَّ لنفسه ما يشاء. حُبُّ السيطرة دفعه ليسأل مُصارعه: ما أسمُك؟ ومعرفة أسم الآخر هو شكلٌ من أشكال السيطرة عليه، ولكنّه لم ينلَ هذا المطلب، لأن الله لا يُسيطَر عليه، وأسمه أقدس من أن يُلفَظ بأفواه البشر: "لا تلفظ إسم الربِّ باطلاً" (خر 20: 7). لقدّ تأكّدَ يعقوب أن الله إستجابَ لصلاته: "نجني من يد أخي (11)"، ورؤية الوجه لم تعد مُخطرة أبداً: "إني رأيتُ الله وجهاً لوجه، ونَجَت نفسي (30). لقد إستطاعَ أن يعبُرَ هذه الهاوية، رؤية وجه الآخر (وجه عيسو) يعني محاورتهُ بصدق وأخلاص، ولقائه وجه لوجهٍ بعيون الأخ، بعيون مُحبّة، بعيون الله (1يو 4: 12، 20- 21). وهكذا "أشرقت الشمس التي غابت منذ أن هربَ من كنعان" (28: 11). أسمٌ جديد وهويةٌ جديدة يختار الكتاب المُقدس محطّاتٍ من حياة الإنسان ليُبرِزَ هويّته الحقيقية، وأختارَ لنا من حياة يعقوب ليلتان هامتان بيّنَ فيها تمسًكَ يعقوب بالرغبة الأولى: أُريدُ البركةَ، وأمسكَ بها مُتصلّباً، وقَبِلَ بالنتائج، وأهمّها كان تبديل الأسم، لابل أن البركة كانت تبديل إسمه والذي يعني أيضاً هويةً جديدة، نَفَساً جديداً. ولكنه من الآن فصاعداً صارَ تحت سُلطان الله الذي يُعطيهِ الأسمَ والهويةَ الجديدة. في طريقه إذن للقاء أخيه عيسو الذي أرادَ أن ينالَ رضاه، كان لزماً على يعقوبَ أن يلتقي الله الذي أرادَ حمايتهُ (32: 9- 12). لذا، كان لقاء الليل ضرورياً للقاء النهار مع عيسو، على الرغم من أننا لا نعرف الكثير عن تفاصيل هذا اللقاء ولا أسم ووجه المُصارِع، ولربّما هذا هو السبب الذي يجعلنا ننجذبُ نحو القصة التي أرادت أن تبقى مفتوحة لتأمّلنا، فتركت فينا تساؤلات عديدة: 1. كيف ظهرَ هذا الرجل؟ ومِن أين جاء؟ 2. لماذا اختار مواجهة يعقوب ومصارعتهُ؟ 3. ما أسمه وما وجهتُهُ؟ 4. ما هي قوّته حتى أنه يُصيب يعقوبَ بالعرجِ؟ 5. ما هويته؟ ولما يطلب منه يعقوب البركة؟ 6. ما الربط ما بين الفجر وطلبُ مغادرة الصراع؟ هل أن الرجل يخسر قوّته مع وضوحِ النهار ووضوح وجهه؟ 7. مَن هو الأقوى يا تُرى؟ يعقوب أم مُصارعُ الليل؟ 8. هل غادرَ مُصارعُ الليل بحريّـته أو أن يعقوبَ سَمَحَ له بذلك؟ القصّة ليست قصّة إعتيادية بل قصة مُحمّلةٌ بعشراتِ الأسئلة التي تجعلها قصّة أبدية. قصةٌ بدا فيها يعقوبَ الطرف الأقوى في نهاية صراعٍ مُرهق، طلبَ فيها رجل الليل المُغادرة، فقَبِلَ يعقوبَ شرطَ ان يُباركهُ. فالبركة طُموحٌ سعى يعقوب منذ الفصل 27 للحصول عليه بأي ثمنٍ، فيُسلّم أمره لمُصارِع الليل، الذي يُغيّر موضوعَ الحديث، فسألَ يعقوبَ: ما أسمُكَ؟ أنت بحاجة إلى هويّة جديدة! أرضٌ جديدة للبركة، والبركة لا تعني الأرضَ والنسلَ والغنى، والذي كُنتَ يا يعقوب تتعقّبهُ وتبحث عنه، بل تعني أن تعيش تحت حُكمِ الله؛ إسرائيل = الله يحكُم (الله يحفظ، الله يحمي). فأنتَ، إسرئيل كفردٍ وكجماعة، موجود ومحفوظ ومُحمي بسبب وعدِ الله المُحِب. وعدٌ تطلّب علاقةً ولقاءً حميماً، ولمسةً مُبارِكةً، وتغييراً في الهوية والوجود: "فقال يسوع: لمسني أحدهم، لأني شعرتُ بقوّةٍ خرجت مني" (لو 8: 46). نحن هنا أمام لقاء ليس كباقي اللقاءات، لقاء يقبل فيه الله أن يتخلّى عن ذاته ويمنح من قوّته للإنسان شريكه في العهد. وهو تنازلٌ قد يبدو ضُعفاً من الله ولكنة أقوى من قوةِ الناس (1 كور 1: 25). لقاء يحفظ الله فيه المسافة فلا يتجاوزها ولا يسمح بتجاوزها: "لماذا تسأل عن أسمي؟". لقد نالَ يعقوب البركة ولكنه لم ينلَ معرفةَ إسم مُصارعه، فبقيَّ الله إلهاً، ولكن يعقوب صارَ إسرائيل. وهكذا وُلد شعب الله، كنيستهُ، لا من خلال إنجازاتٍ ونسلٍ كثير وممتلكاتٍ عظيمة، بل لأن نورَ الله وبركته أشرقَ عليه، فصالحهُ لنفسه: "فأنتم شعبٌ مُقدسٌ للربِّ إلهكم الذي إختاركم له من بين جميعِ الشعوب التي على وجه الأرض، لا لأنّكم أكثرُ من جميع الشعوب، فأنتم أقلّها، بل لمحبّته ومُحافظتهِ على اليمين الذي حلفها لآبائكم" (تث 7: 6-8). محبة (نعمةٌ) ليست رخيصة، بل محبّة مُكلفة، ولم يستشير الله فيها يعقوب أو يسأله رضاه عن هويّته الجديدة، بل هي محبّةٌ وأسمٌ مُعطى وهويةٌ فُرِضَت عليه، وعليه أن يقبلها بركة، وبعلامة فارقة: أعرج، مصلوب. غادرَ مُصارعُ الليل، وإنتهى يعقوب، وولدَ إسرائيل مُباركٌ بإسمٍ جديد، وموسومٌ بجُرحٍ واضح: "إنظروا يديَّ ورجليَّ، أنا هو (لو 24: 39). شعبُ الله يُولد في الطريق للقاء الأخ والقريب، وهي وُلادة مُكلفة (مر 10: 35- 45). لقاء مُصالحةٍ مع عيسو التقليد اليهوهي 33: 1- 20 تهيئَ يعقوب للقاء أخيه عيسو، وتمكّنَ من مواجهة ماضيه وعَرِفَ ما الذي عليه أن يفعلهُ، فلا خوف ولا قلق ولا أوهام، بل يتطلّبُ الأمر مواجهةً حقيقة وجهاً لوجه من دون التخفي خلف الهاديا أو المُبررات، ومن دون التحايل عبر خُطط مُلتوية. لذا يُعيد يعقوب ترتيب اللقاء ليكون هو في المُقدمة، والهدية في الخلف، ويتحوّل مبدأ "أنا أولاً" إلى موقف إيجابي: أنا أولاً على طريق المُصالحة. فتقدّمَ يعقوب فسجد سبعَ مرّاتٍ قبل أن يدنو من أخيه عيسو، وهو تعبير إحترام يُقدم في حضرة ملك، لذا فهو يُنفّذ ما قاله سابقاً: عبدُكَ يعقوب، وقلبَ العلاقة وجعلها في مكانها الصحيح: أنت الأخ الأكبر يا عيسو. العلاقة التي سعى ولسنين طوال أن يُغيّرها لصالحهِ وبادرَ عيسو إلى لقائه وعانقهُ وقبّلهُ باكياً. في اللقاء إحتضان وعناق ولكنّه يختلف عن عناق الليل وإحتضانه، فهذا للمُصالحة وذاك للنزاع. يالمُفاجأة، لقد تغيّر عيسو وليس شخصاً مُخيفاً كما تصوّره يعقوب، بل هو إنسانٌ مُسالمٌ لم يحبس نفسه في ماضٍ عتيقٍ، بل هو حُرٌ لحاضره، فيتصرّف وفقَ ما تطلبهُ الظروف. فيرى أن أمامه شخصٌ (يعقوب) يطلبُ الرحمة والمغفرة، وهو أخوه وهذه حقيقةٌ لا يُمكن أن ينساها، فيُقدّمها بسخاء، على مثال الأب الذي ينتظر إبنه الضائع (لو 15: 11- 32). فالقُبل ليست قُبلاً ترحيبية فحسب، بل قُبل المُصالحة التامّة، وحتى الأربع مئة رجل الذين رافقوا عيسو جاؤوا ليُرافقوا هذه القافلة الكبيرة والتي هي بحاجة إلى حماية من قُطّاعِ الطُرق. أمام هذه المُصالحة يُقدّم يعقوب هديّته لا ليعمي بها عيون عيسو فيعفو عنه، بل ليتقاسم وإياه البركة. عَرِفَ يعقوب أن الغفران لا يُشتَرى أو يُباع، بل يُوهَب نعمة، وعلى يعقوب أن يفتح يديه ليكون تحت تصرّف الآخر الغافِر. فالغفران قبل الهدية. البركة لم تعد قضية نزاع وصراعٍ بين الأخوة، بل موضوع مُشاركة ومُقاسمة: "إن نلتُ رِضاكَ، فأقبل هديتي من يدي، رأيتُ وجهَكَ فكأني رأيتُ وجه الله، لاسيّما وأنت رَضَيتَ عنّي" (10- 11). من الواضح جداً أن الطريق إلى الأخ يمر بلقاء الله، فعلى يعقوب أن يقفَ أمام عيسو من دون أحكامٍ مُسبقة، وأن يكون مُستعداً لقبوله مثلما هو لا مثلما يُريده. وأهم من ذلك، وَصلَ يعقوب وعيسو إلى قناعة: لديَّ ما يكفي، لديَّ الكثير، وهكذا حلَّ السلام، فلا حاجة للصراع والتنازع من أجل التملّك، لسنا بحاجة إلى المزيد، وليس للجشع مكان بيننا. لقد تمكّن يعقوب من تصفية حياته، وتطهير ماضيه من مشاعر الذنب وكوابيس الإنتقام، والتخلّص من الأحكام والتخيلات الفارغة عن أخوتنا وأخواتنا، ليُعلّمنا أننا لا نستطيع تسوية مشاكلنا مع الآخرين إن لم نُرتّب بيتنا الداخلي بصدقٍ وأمانة. فيتعرف بذنبه، ويُقرُ بتقصيراته، ويكون مُستعداً للتغيير قبل أن يطلب من الآخر التغيير. وهكذا يتعلّم من ماضيه ومن هفواته من دون أن يحبس نفسه فيها. هذا ممكن إن كان في الإنسان الإستعداد للإستسلام إلى مُغامرة الله الذي يجّرنا إلى صراعٍ يُريد فيه مُصالحتنا (2 كور 5: 16- 21)، فعملُ المُصالحة ليس إنجازاً بشرياً، بل عمل الله وحده. الله الذي الذي يُبارك بالعطاء، وهكذا نفهم أن البركة ليست في الأخذ، بل في العطاء مُتذكرين كلام َالربِّ يسوع: تباركَ العطاء أكثرَ من الأخذ" (أع 20: 35).
قراءة 10666 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %049 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *