ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %358 %2011 %10:%شباط

ندوة الكتاب المقدس اللقاء العاشر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء العاشر علاقات متأزمة التقليد الايلوهي 31: 1- 54، التقليد اليهوهي31: 1- 54 ما ميّزَ علاقة يعقوب بخاله لابان هو المُراوغة والمخادعَة المُتبادَلة والتي أوصلت العلاقة إلى طُرق
الندوة الكتابية اللقاء العاشر علاقات متأزمة التقليد الايلوهي 31: 1- 54، التقليد اليهوهي31: 1- 54 ما ميّزَ علاقة يعقوب بخاله لابان هو المُراوغة والمخادعَة المُتبادَلة والتي أوصلت العلاقة إلى طُرق مسدودة لولا تدخّل الله للمُصالحةِ بينهما. دخلَ يعقوبَ بيت لابان فقيراً وليس معه إلا الله الذي وعده: سأكون معكَ، فهل سيخرج من بيتِ خالهِ فقيراً؟ أستقبلهُ خالهُ بالعناق والقُبل والترحيب، فهل سيُودّعهُ كذلكَ أيضاً؟ هل سيسكُت يعقوب على كل محاولات خالهِ الظالمة، ومراوغاته الخادعة؟ أم أنه هدوء يسبُق العاصفة، وتحضير لردِّ الصاعَ صاعين؟ لاسيما ونحن نعرف أن يعقوب لا يتنازل عن ما يعتقد أنه حقهُ؟ والأهم من ذلك، هل إبتعدَ الله عن مسرحِ الأحداث وتركَ الناس يتصارعونَ فيما بينهم؟ كيف سيوجّه الله فوضى العلاقات؟ وهل هناك إمكانية تصحيح المسارات؟ أسئلة كثيرة تنتظرنا يومياً، فليسَ أمامنا إلا الصلاة إلى الله قائلين: "يا ربُّ، أنت تعرفُ كلَّ شيءٍ، وتعرفُ أني أُحبُكَ" (يو 21: 17) يعقوب يُقرر العودة (تك 31) يختم الراوي حديثه في الفصل 30 بعبارة :"فأغتنى الرجلُ (يعقوب) جداً جداً وصارت له غنمٌ كثيرة وخادماتٌ وخُدّامٌ وجِمالٌ وحمير" (43). كُلّنا يعرف من أين جائه هذا الغنى، وكيف حصلَ على هذه الماشية الكثيرة بأساليبَ مُخادعة، والتي كانت سبب تشنّجُ شخوص القصّة لاسيما خاله لابان، فوصلَ الأمرُ أن بني لابان صاروا يتذمّرون قائلين: قد أخذ يعقوب كُلَّ ما لأبينا، ومِمّا لأبينا جمعَ هذه الثروةَ كلّها" (31: 1). لقد بدأت مشاعر الحسد تطفوا، ونحن نفهم تبعات مثلُ هذه المشاعر على حياة الناس. فالحسد يولّد الغضبَ، والغضبَ يولّد الكراهية، والكراهية تولّد مشاعر إفناء الآخر وقتلهِ. غنى يعقوب يعني حرمان بني لابان من الغنى وفقرهم في المُستقبَل، فتولّد فيهم غضبٌ سيكبُر ليتولّد عندهم الحقد الذين سيقودهم إلى قتلِ يعقوب. يعقوب الذي هربَ من أخيه عيسو الراغب في قتلهِ، هوذا يواجهُ تحدي القتل فعليه أن يهرب منه ثانية. صارَ تركيز العائلة موجهاً نحو الإغتناء المادي، فإنهارت العلاقات. العائلة التي عاشت بوئامٍ، ولم يُسمَع عنهم خلافاتٌ عميقة، تتبدّل نظرتهم، فلم يروا وجه الآخر، بل مالَ الآخر وغناه، فتتشوهّ العلاقات فيما بينهم. عندما تكون أنظارنا موجهةً إلى الله، سنجد ما يجمعنا حتى لو أختلفنا، أما إذا وجّهنا أنظرنا نحو المال، فلن نجد ما يجمعنا أبداً. تعلّقَ قلبُ لابان بيعقوب لا لشخصِ يعقوب، بل بسبب الغنى الذي رافقهُ: "أنت فألٌ خيرٍ والربُ باركني بسببِكَ" (30: 27). ولكن هل تعلّمَ يعقوب كيف يتعامل مع الغنى الذي تطلّع إليه عبر تلهفهِ على البركة؟ وهل أن أنظاره شاخصةُ على المُعطي (الله) أم على العطية (المال)؟ ”سِمعَ يعقوبَ أنَّ بني لابانَ يقولونَ: أخذ يعقوبَ كل ما لأبينا، ومما لأبينا جمعَ كل هذه الثروة"، ورأى أن وجه خالهِ ليسَ ودّياً البتّة. "سَمِعَ ورأى وفَهِمَ" أنه إنذارٌ له، فقررَ العودة إلى بيت أبيه، فأرسلَ ودعى زوجتيه ليئة وراحيل، ليتحاورا معاً ولأول مرّة، ويُذكرهنَّ بخطابٍ أنه تصرّف كأجيرٍ أمينٍ مع أبيهما، إلا أنه غيّر أجرته عشرة مراتٍ، لولا حماية الله له ورعايته، لكان حالهُ الآن سيئاً. أكّد يعقوبَ أن خالهُ تركه وخذله، أما الله فبقيََ معه مُسانداً أميناً لوعده بأنه سيبقى معه. فمع أن ليئة وراحيل والبنين سيُوافقونه، إلا أنه ما يهمّهُ هو أن يرافقه إلهُ آبائة في حلّهِ وترحالهِ. بالطبع، لم يُخبر يعقوب زوجتيه بألاعيبهِ هو، بل قدّم نفسهُ كشاهدٍ لتدبير الله، فما حصلَ عليه من إنجازاتٍ وغنى ليس بقواه هو، بل لأنه كان مُنفتحاً لتدبير الله القدير كان معه. وبيّنَ لهنََ تعاملَ أبيهما الظالم، ورعاية الله السخيّة له وقتَ الأزماتِ. كيّف أنه غيّر الأجرة عشرة مراتٍ، فنسأل يعقوب: هل تذوقّت طعم مرارة الخداع التي خدعتَ بها أخيكَ عيسو؟ والخداع الذي خدعتَ به أبيك إسحق؟ وخداعاتٌ أخرى لم تُذكر لك في هذه القصّة؟ أنانيةُ يعقوب ولابان أوصلت علاقتهما إلى طريقٍ مسدود ومُخطِر، وكشفَ يعقوب أن الربَّ يُريده أن يعودَ إلى بيت أبيه، فيكون الغنى من الله، والكشفَ في الحلم هو من الله، والأمرَ بالعودة هو أمرُ الله، وهكذا يكون يعقوب المؤمنُ الطائع لأمر الله: يُلاحظ، يُصغي ويتذكّر. سعى يعقوب عِبرَ مخاطبة زوجتيه إلى إقناعهنَّ ببرائته وبضرورة الرحيل، ولكنه إكتشفَ أنهنَّ مُقتعناتٍ بموقفِ يعقوب لا بسبب ما فعلهُ لابان بيعقوب، بل بسبب ما فعله بهنَّ. كشفت ليئة وراحيل عن غضبهما من أبيهما الذي تعاملَ معهما كسلعة تُباع وتُشترى، فلم يكن أباً حافظاً لكرامة إبنتيه، ولم يُشاركهنَ منافعَ المهرِ الغالي الذي أخذه من يعقوب: سبعُ سنواتٍ من العمل المُضني، لذا لم يقبلا إحتجاجَ أخوتهم بل أعلنا: "فكلُّ الغنى الذي أخذه الله مِن أبينا هو لنا ولبنينا. والآن فكلُّ ما قاله الله لكَ فأفعله" (31: 16). وهكذا توحّدت الأسرة في وقت الضيق. لقد خَسرَ لابان ثروته في نزاعهِ مع إبن أخته، وخسر بناتهِ أيضاً؟ قرر يعقوب الهرب مُستغلاً غيابَ لابان، وأستغلّت راحيل غيابَ أبيها لتسرقَ أصنامَ منزل أبيها. سرقَ يعقوبَ قلبَ لابان، وسرقت راحيل "يعقوبة الصغيرة" أصنامَ لابان، إنها أصنام العائلة التي يستهزأ بها الراوي فجعلها أشياء تُسرَق وتُهان. لنا أن نسأل: لماذا سرقة أصنام العائلة؟ هل تُريد راحيل ضمان ميراث العائلة ليكون تحت مُلكها لأنها تملك اصنام العائلة؟ أم انها كانت ترغب إعطاء قيادة العائلة ليعقوبَ كونه يحتفِظ بالأصنام؟ هل تُريد الإنتقام لزوجها يعقوب الذي سرقهُ لابان عبر خديعة الزواج بليئة، فتسرق رغبة أبيها؟ أم أنها كانت تعتقد أن لهذه الأصنام القدرة على حماية القافلة في رحلتها عبر البراري؟ لم يكن للعائلة الكبيرة فرصة للوداع، بل هجرٌ قسريٌ بعد تعب عشرينَ سنة من الأشغال الشاقّة، والعلاقات المُتأزمة. حاران مدرسةُ قاسية على يعقوب، تُرى ما هو مُستقبلُ العلاقات في أجواء الخداع المتواصل؟ سنوات خلت من الفرح والبساطة والعفوية؟ لقاء لابان ويعقوب (31: 22- 32: 3) ذهبَ لابان لجزِّ الخراف وهي عملية كانت تتطلّب العديد من الرجال، وكانت تدرُّ ربحاً كثيراً. سمِعَ لابان بهربِ يعقوب والعائلة فلحِقَ بهم بعد عشرةِ أيام، نظراً لأن قافلةَ يعقوبَ لم تكن تستطيع السير سريعاً لوجودِ الماشيةِ، فإلتقيا في جبل جلعاد، ميدان القتال القديم ما بين شعبِ إسرائيل وبني آرامَ. تدخلَ الله لصالح يعقوب فأنذرَ لابان في كشفٍ خاصٍ بعدم الإساءة إلى يعقوب. يُمكن للابان أن يعرضَ قضيّته ولكنََ الله يرفعَ عنها الحقد َالمُبطَّن. كشفٌ بَبيّن أن ليعقوبَ حليفٌ قدير يجب عدم الإستهانة به. بدأ لابان الحوار وبيّن التهمة الموجّهةَ ليعقوب: أنت مُخادعٌ، أنت سارقُ لبناتي ولآلهتي. لربمّا لك الحق في العودة إلى بيت أبيك لأنّكَ إشتقتَ إليه، ولكن أن تسرق الآلهة فهذه جريمة لا يُمكن أن تُقبَل! أنا أعرف الآن أنك رجلٌ شاطر، مُخادِع، ولكن هذا لا يعني تجاوز الخطوط الحمراء، لأني أحترمُ إلهكَ وأسمع إليه يا يعقوب، أما أنت فلا تحترم ألهتي. رَغِبَ لابان أن يُبيّن أنه ضحيةُ لفعلةِ يعقوب، وأبٌ مُعتنٍ ببناته، بخلاف ما سمعنا من بناته سابقاً. من السهل أن تُقدّم نفسكَ مُبرراً بكلامٍ مُتقَن، ولكن، هل سألتَ نفسكَ يا لابان ما الذي عملته لتأسُرَ قلبَ يعقوبَ وبناتِكَ؟ ما الذي قدّمته لهم خلال السنوات العشرين الماضية؟ لماذا لم نسمع عن الغناء والفرح والدُفِ والكنارة في مولد البنين والبنت؟ نحن نعلم أن ليئة وراحيل وافقتا على قرار الهرب، فتهمةُ المُخادعة تهمةٌ باطلة، وأن موضوع توديع العائلة وتقبيل البنات والبنين هو سلوكٌ لا يتوقّعه أحدٌ من لابان. "الخوف" من لابان كان السبب وراء هربَ يعقوب بالعائلة: "خفتُ". ولكن تهمة سرقة الآلهة، تهمةٌ غير صحيحة، لذا، أعلنَ يعقوب في غضبهِ: "مَن وُجدت معه فلا يحيا" (32). يعقوب يوقّع على قرار إعدام حبيبته راحيل، ويُذكرنا الرواي بأن يعقوب لم يكن يعلم أنَّ راحيل قد سرقتها. فسمحَ للابان بتفتيش الخيم. بدأت عملية التفتيش في الأمكنة الخاطئة، حتى وصلَ خيمة راحيل، التي بدورها خبأت الأصنام في رحل الجمل وجلست عليها، وبررت أنه لا تسطيع القيام بسبب حالة الطمث. إستهزاءٌ من الرواي بأصنام الآراميين إذ يجعلها تُسرَق وتُخبّئ وتُوضَع تحت نجاسة المرأة. آلهةُ الشعوب المُجاورة يُمكن أن تُسرَق، يُمكن أن تُخبّئ، يُمكن أن تُهان. وهكذا وتنتهي عملية التفتيش بسلامة جميع أفراد القافلة، ويعلو صوت يعقوب فيكشف للابان أن تهمهُ باطلة، فيتلو خطاباً طويلاً عبّر فيه عن الغضبِ الذي كان مكبوتاً في نفسهِ ولم يبح به لأحدٍ. فسأله العديد من الأسئلة، مُتهماً إياه بالسيد الظالم والغير العادل الذي طالبَ الأجيرَ بمطاليب مُبالغٌ فيها، ويُريد أن ينتفعَ منه بأي ثمنٍ كان. أسئلة وتُهمٌ لم يستطع لابان الدفاع عن نفسه فيها، حتى أن الذين جاؤوا مع لابان صاروا شهود براءة يعقوب، وشهود العهدِ بينهما، وأهمُ شاهدٍ وحليف هو: "إلهُ أبي، إلهُ إبراهيمَ ومَهابةُ إسحق" (42). الألهُ الذي يهابهُ (يخافهُ) إسحق، ومن الأفضل أن تخافهُ أنت يا خالي لابان. يبدو أن لابان ويعقوب إعترفا أخيراً أن الله وحده قادرٌ على وضعِ حدٍّ لجشعهما ورغبتهما بالثأر والإنتقام. أما هذا الخطاب والتهم الصحيحة لم يتمكّن لابان من الدفاعِ عن نفسهِ، فراحَ يتشبّث بما لا يملُك: "البناتُ بناتي، وبَنوهنَّ بنيَّ، والغنمُ غنمي، فماذا أقدرُ الآن أن أفعل لأستعيدَ بناتي والبنين الذين ولدتهم؟". إنسان أناني مُتسلّط لا يقبلَ الهزيمة على الرغمِ من معرفتهِ بأخطائهِ، ومعرفتهِ أن ليعقوبَ حليفٌ قويٌ لا يُمكن الإستهانةُ به، لذا، يطلبُ عهداً مع يعقوبَ، ويعقوب يعرف طبيعة عقود ووعود لابان، فلا يتكلّم بل يعمل، ويترك لابان الثرثار يتحدّث ويصول ويجول في الأرض. طلبَ يعقوب من الجميع أن يعملوا من أجل تحقيق هذا العهد: "إجمعوا حجارة"، فقطعوا عهداً حاولَ فيه لابان أن يُبيّن أنه مازال يعتني ببناته كأبٍ يسعى لرفاهيتهنَّ: "إن أذللتَ بنتيَّ أو تزوجت نساءً عليهما، فلا أحد مِنّا معكَ ليرى، وليكن الله شاهداً بيني وبينكَ". في مدخل حارانَ دحرجَ يعقوبَ الحجر فشربوا ماءً (29: 10) وفي خاتمة حارانَ دحرجَ حجراً فأكلوا (31: 54) وهكذا يختمَ يعقوب دروسهُ في مدرسة حاران حُراً من عبودية بيت آرام التي كلّفته عشرينَ سنة من حياته، ولكنه إكتسبَ ثروةً كبيرة وخبرة عميقةً، ستنفعهُ في ساعة المحنة. خلّدَ يعقوب مراحل نموّهِ عبر نُصبٍ شهدتِ لنموّ وتعمّق حياتي على نحوٍ إحتفالي. على أية حال، أرادَ لابان إنهاء هذا اللقاء سريعاً فبكّرَ في الصباح وقبّلَ بنيه وبناته وباركهم، فيما تجاهلَ وجود يعقوبَ الذي أستقبلهُ قبلَ عشرين سنة بالعناق والقُبل. يعقوب يستعد للقاء عيسو (32: 4- 22) التقليد الايلوهي 32: 1- 22، التقليد اليهوهي 32: 1- 22 واصلَ يعقوب رحلته نحو أرضِ أبائه، أرض شبابهِ التي تركها مُجبَراً بسبب تصرفاته الأنانية. أرضُ تجذبهُ لكونه تحمل ذكريات الطفولة، ولكنه أرضٌ تُخيفهُ بسبب ماضيهِ وهي موطنُ عيسو ضحيّة خداعهِ، والذي لم يسعَ طوال هذه السنين لمُصالحته، على العكس حاولَ تنكرَ ماضيه بأي ثمنٍ كان. تقدّم الربُ لقاء الأخوين من دون أن يعلما، وسعى الله ليُصالحَ الأخوين إنطلاقاً من موقفِ العداء الذي ميّز علاقتهما: "ومضى يعقوب في طريقهِ، فلاقته ملائكةُ الله، فقالَ يعقوب لمّا رآهم: "هذا جُندُ الله! " وسمّى ذِلك المكان محنايمَ" (2-3). هم الملائكة الذين رأهم عندما هربَ من كنعان (28: 10- 12)، هوذا يلتقيهم على نحوٍ غير مُتوقّع، عندما يرجع إليها سالماً، عند أرضٍ تقع شرقي الأردن. رآهم يعقوبَ رُسلَ الله أمام وجهه، ففكرَ في أن يُرسلَ رُسله إلى عيسو. وأوصاهم بأن يقولوا لعيسو: "قولوا لسيدي عيسو ...! حاول َيعقوب المراوغة مع أخيه هذه المرّة أيضاً: سيّدي! يعقوب الذي ضحى بكل شيء من أجل أن يأخذ السيادة، فهل يُعقَل أنه يتنازل عنها بهذه السهولة؟ ثم أنه يعرف أن الزمنَ كفيلٌ بأن يشفي بعض الجروح، إلا أنه قد يُعمّق غيرها، لأنه لا تُنسى ولا تُغتفَر لاسيما إذا لم يُعتّذَر عنها. وصلتَ الرسالة إلى أخيه عيسو من أن إقامته لم تكن طيّبة، إذ لم يقل "أقمتُ عند خالي لابان، بل نزلتُ عند لابان، أي كُنتُ غريباً. وأُخبر رُسلُ يعقوب أن أخيكَ عيسو قادمٌ للقائك! أخيكَ الذي لم تتصرّف معه بأخوة صادقة قبل عشرين سنة! عشرون سنةً حاول فيها يعقوب أن يُسكّت ضميره، ويُنكر حقيقة عبادته لأناه التي دمّرت كل العلاقات من حوله. رجِعَ إلى كنعان لا لأنه مُشتاقٌ لرؤية أخيه، أو لأنه جاء ليتعذر عمّا صدرَ عنه، بل لأنه تضايقَ وأحسَّ بخطورة البقاء! هربٌ آخر، ولكنه هربٌ لمواجهة جيش كاملٍ: 400 رجل. على يعقوبَ أن يُواجهَ ماضيهِ، فلا مجال للهرب منه، فأستولى عليه الخوف والضيق! محاولات للإفلات (32: 8- 22) سعى يعقوبَ في ضيقهِ للإفلات من أخيه، ففكّر بعدة طُرقٍ لتفادي اللقاء. أولهما تقسيم القافلة إلى فرقتين، إن صادفَ عيسو فرقةً نجت الأخرى، ونستطيع أن نُخمّن في أي فرقةٍ سيكون هو! صارَ يعقوب مُقرر مصير الناس، والأنكى من ذلك، أن يضع نفسه حاكماً ومُقرر موتهم: أنت تكون في فرقة الموت، وأنت في فرقة الحياة! مَن أنت يا يعقوب حتى تُقرر مصائر الناس، ألم تقل لراحيل زوجتُك المُفضلَة أنك لست الله (30: 2)؟ ثم أنه كان سبب إنقسام َعائلته: عيسو مع إسحق في مواجهة يعقوب مع رفقة، وهوذا ينقل هذا الإنقسام إلى عائلتهِ الخاصّة. لذا، تفشل الخطّة. ثم ُحاول تذكير الله بوعده له: "يا إلهَ أبي إبراهيم وإله أبي إسحق، أيها الربُّ الذي قال لي: "إرجع إلى أرضِكَ وإلى عشيرتِكَ وأنا أُحسنُ إليكَ، أنا دون أن أستحقُ كل ما أظهرته لي أنا عبدُكَ، من رحمةٍ ووفاءٍ، عبرتُ هذا الأردنَ وما لي إلاَّ عصاي، وأمّا الآن فصارَ لي فرقتان، نجني من يد أخي عيسو، فأنا أخافُ منه أن يجيء فيقتلنا، أنا والآمهات والبنين، وأنت قلتَ لي: أنا أُحسنُ إليكَ وأجعلُ نَسلَكَ كرَملِ البحرِ الذي لا يُحصى لكثرتهِ" (10- 14). قلقه وخوفهُ على أناه أعماه من رؤية الواقع مثلما هو، فصارَ يرى تبعاً لرغباته، وبالتأكيد سيتخبّط في الإستنتاجات، ويخلط العلاقات ويشوهها أكثر في محاولة منه للتخلص من المأزق عوضَ مواجهتهِ. هذا الإنسان الذي قدّم نفسه وكأنه المُسيطر على الأجواء دوماً، هوذا يُلاقي نفسه العميقة، فيخاف جداً، ويفقد توازنه، فيتأرجح ما بين الطرفين، مُستغيثاً يطلبُ النجاة من الله: أنقذني من هذه الورطة. أنا صغيرٌ، أنا عاجزٌ، أنا قلقٌ، أنا المُستغيثُ ... هذه خطوة مُهمّة نحو التوبة والتحرر من الأنا المنفوخ الكاذِب. ولكن هل على الله أن يتحمّل قباحات الإنسان وقصوره؟ هل من الحق أن نُحمّل الله فداحة أخطائنا؟ هل من العدالة أن نجعل الله مسؤولاً عن سوء إستخدام حُريّـنا؟ علينا أن نتعلّم حملَ المسؤولية، ونتحمّل نتائج تصرّفاتنا! والله سيُعيننا في مواجهة هذه الأزمةوحدنا ولكن ليس من دوننا. فكّر يعقوبَ بخُطة أُخرى: إعماء الآخر لكي لا يرى الحقيقة! فأرسلَ لعيسو هديةً تتقدّمه: "أستعطفهُ أولاً بالهدية التي تتقدمني إليه، حتى إذا تلاقينا وجهاً إلى وجهٍ لعلّه يعفو عني" (21). أرادَ يعقوب أن يبقَ في خلفَ الهديةِ، هي رشوةُ يُريد بها أن يُعمي عيونَ عيسو، فيشتري غفرانهُ. على الرغمِ من ضحالةِ الموقف، إلا أن يعقوب بدأ يشعر بضرورة الإتصال بأخيه، لابل بضرورة طلبِ غفرانهِ. هو الذي تصارعَ منذ بطن أمه ليكون الأول، هوذا نراه يتوسّل ليكون الأخير، ويختبئ خلف الناس والأشياء، ويفعل المُستحيل ليتجنّب الموجهة وجهاً إلى وجه، وهكذا يتواصل الصراع.
قراءة 6907 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %048 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *