ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %356 %2011 %10:%شباط

ندوة الكتاب المقدس اللقاء الثامن

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الندوة الكتابية اللقاء الثامن قصة يعقوب (تك 25: 19- 34) وهذه مواليدُ إسحقَ بن إبراهيم، إبراهيم ولدَ إسحق (19)، يبدأ الراوي قصةٌ جديدة، ولكنّه يعرف أن لها جذورها العميقة في وعدِّ الله: قصّة إبراه
الندوة الكتابية اللقاء الثامن قصة يعقوب (تك 25: 19- 34) "وهذه مواليدُ إسحقَ بن إبراهيم، إبراهيم ولدَ إسحق" (19)، يبدأ الراوي قصةٌ جديدة، ولكنّه يعرف أن لها جذورها العميقة في وعدِّ الله: قصّة إبراهيم، لذا يذكره مرتين ليُؤكد أن ما سيرويه هو تواصلٌ لقصّة الأب التي بدأت قبلَ الآن. بعد عناء طويلٍ تمَّ تأمين زوجةٍ لإسحق، وإنتقلنا إلى الجيل الثاني، ولكن، ومع أن رفقةَ أقدمَت على قرارٍ خطيرٍ في تركها الأرضَ والعشيرة وبيت الآب، إلا أنها عاقر، هناك مُشكلة في العائلة. الأب، إسحق، هو أبنُ الوعدِ، ورفقةُ الأم، هي الإختيارُ المُفضّل؛ بمعنى آخر: كل إمكانيات الحياة يجب أن تكون موجودة، ولكن، ومثلما يعرف كُلّنا، لا يُمكن ضمان مُستقبلٍ للعائلة إعتماداً على إمكانيات الحياة الطبيعية، ولا على إنجازاتٍ بشرية، يجب أن يكون هناك ثقة مُطلقةٌ بوعدِ الله. لأن هذه العائلة وُلدَت من رحم وعدِ الله، هي عائلة الوعد، فهي قَبلِتَ الحياة كهبة غير مُتوقّعةٍ. كلُّ عائلات الأرضِ لها أن تُقرر مُستقبلها، أما هذه العائلة، لا تستطيع فعلَّ ذلك، لأنها عائلة مُتيّزة بوعدِ الله ونعمته. فما الذي على إسحق ورفقة أن يفعلوا في مثل هذه الأزمة: الصلاة: "وصلَّى إسحق إلى الربِّ لأجلِ رفقةَ إمرأتهِ لأنها كانت عاقراً" (21). ومع أنه صلاته ليست عملاً سحرياً، بل تعبير عن عجزه عن فعلِ شيء، إلا إنها فرصةُ ليتعلّم هو وزوجته تسليم حياتهما لله، وفي هذا يُعبّران على أن الحياة هبةٌ من الله، وكلُّ أطفال العائلة سيكونون أطفالِ الوعدِ، ونحن الذين قبلنا كلامَ الله وقصته معنا، ودخلنا عهدَ الله معهم، سنعرف أيضاً أننا أبناء الوعدِ: "أمّا الذين قبلوه، المؤمنونَ بإسمهِ، فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أبناء الله، وهم الذين وُلدوا لا من دمٍ، ولا من جسدٍ، ولا من رغبةِ رجلٍ، بل من الله. (يو 1: 12- 13). نلاحظ أن إسحق لم يترك ليتزوّج بأخرى، مع أن ذلك كان عُرفاً إجتماعياً مقبولاً آنذاك، بل صلّى إلى الربِّ: "إلقِِ على الربِّ همّكَ وهو يعولكَ، ولا يدعُ الصديقَ يضطربُ إلى الأبدِ" (مز 55: 22). صلّى لأنه يؤمن أن الحياة تُعطى له هبةً، لتكون الولادة دعوةً من الربِّ، وإستجابةً لصلاةٍ سُمعَت، فكانوا بسبب كلمة الربِّ المُنعِمةِ، وستُشكّل حياتهم بإرادة مَن أعطاهم الحياة. وبعد عشرينَ سنةٍ من الإنتظار إذن، الإنتظار الذي أحياه إسحق ورفقة بصلاةٍ، وكُلّهم رجاءٌ من أن المولودَ آتٍ لا محالة، أنعمَّ الله على العائلة بولادة، وولادة سخيّة: توأمان. ولادة نعمة، بُشرى سارة/ أُمتان، شعبان يُحققان وعدَ الله لإبراهيم بالنسلِ الكثير، وهذا يُفسّر لنا سبب الآلام التي تُعاني منها رفقةَ. أحسّت رفقةُ بمشاكل أثناء الحمل، ويبدو أن أحدهم بدء بمُزاحمةِ الآخر مُبكراً، يرفسهُ بقدمهِ، هناك صراع على السلطة منذ البداية وهذا يُؤلم الأم فتتساءل: "إذا كانت الحالة صحيحة في بطني! لما أشعر بالألمِ إذن؟ مُزاحمةٌ الطفلين ستتواصلَ في حياتهما وتُسبب مشاكل لهما وللمُحيطين بهما. لقد تسأل شعبُ إسرائيل عن سبب تأزم حالة بني يعقوب دوماً؟ ولماذا عليهم أن يُعانوا الضيقَ والأم والصعوبات؟ لما عليهم ان يشقّوا طريقهم بصعوبة ما بين الشعوب؟ فجاء جوابهم عبر قصة جدّهم: يعقوب لتقول: هذه الأزمات وهذه الأضطرابات كانت جزءً من قصدِ الله الذي لم يُفسَر لنا، بل أُعلِنَ وتمَّ تأكيده. هنا علينا وبكلَّ تواضع أن نقبلَّ حريّة الله، ولا نلجأ إلى تصحيح الله في عمله، وهي تجربة لطالما نسقط فيها: على الله أن يعمل كذا وكذا ... لنترك الله أن يكون الله؛ "لا تصنع لكَ تمثالاً منحوتاً ولا صورة شيءٍ ممَّا في السماء من فوق ولا ممَّا في الأرضِ من تحت، ولا ممَّا في المياه من تحت الأرضِ" (خر 20: 4). حالة الحملِ إذن كانت مُقلقة لرفقة، وتضايقت منه فطلبت تفسيراً، وأتاها كلام الربِّ: في بطنكِ أُمتان، ومن أحشائكِ يتفرّع شعبان: شعبٌ يسود شعباً، وكبير يستعبده صغيرٌ" (23). لم يُفسّر الله حالة رفقة المتأزمة ولم يُبررها، بل أعلنَ عن شكلَّ العلاقة بين الولدين، من دون أن يُكلِّفَ أحدٌ بمهمّةٍ، ولم يكشفَ لنا الله مَن هو الكبير ومَن هو الصغير، ومَن هو الأول، ومَن سيكون الثاني! ولم يحكم الله على الكبير أو يدينه. أعلنَ الله عن إنقلابٍ جذريٍ فيما هو مُتعارفٌ عليه إجتماعياً، وهو حُرٌ من من كل مَفاهيمنا ولن يخضعَ لها، فلهُ القدرة على الوعد وعلى إتمامِ الوعد على الرغم من إعتراضاتِ الإنسانِ أو إنتظاراتهِ، "فالأولون آخرون، والآخرون أوّلون" (متى 19: 30). طفلان إذن، الأول عيسو بسبب الشعر الذي على جسمه، فسُمّيَّ بسبب منظره: عيسو، والثاني ُسميَّ بسبب فعله: يعقوب، كونه وُلِدَ مَاسكاً بعقبِ أخيه، وهذا يُوضح لنا مَن كانَ سبب أزمات الحمل. ولكن ومع كلِّ محاولاتِ يعقوب للسيطرة على الأوضاع، يخسر الجولة الأولى، فخرجَ عيسو أولاً، ثم جاء هو ثانياً، لا بل يُريد الراوي أن يُذكّر يعقوب بأن هناك علاقة "أخوّة" مع عيسو: "ثُمَّ خرجَ أخوهُ" (26)، أخوّة لا تقبل التنافس الذي تبّناه يعقوب أسلوباً للحياة. كبُرَ الصبيان واختارَ كلٌّ منها حياته: عيسو أختارَ البرية والصيد، فلزِم أن يتركَ العائلة والجماعة المُحيطة بها، ليكونَ في البراري مُعتمداً على نفسه، ولكنه كان قريباً لقلبِ أبيه: إسحق الذي إستصابَ صيده (قريباً على معدته إذا صحَّ لنا التعبير)، وكأن حُبَّ إسحق يمر عِبرَ معدته، فيما اختارَ يعقوب الرعي فكان قريباً من الخيام، أي قريباً من الجماعة، قريباً من أمّه، التي قيلَ لها: "في بطنكِ أُمتان، ومن أحشائكِ يتفرّع شعبان: شعبٌ يسود شعباً، وكبير يستعبده صغيرٌ" (23)، وهي فَهِمَت أن هذه إرادة الربِّ، مع أن الراوي لا يذكر لنا سبب حُبِّ رفقة ليعقوب، يبدو أن حُبها ليس مشروطاً بمنافعَ يُقدمها يعقوب، وهذا هو الحب الحقيقي، حبٌ لأجل الشخص نفسه، وليس من جل من يفعلهُ. نفهم جيّداً أن تمايز الأخوة شيءٌ طبيعي فلكلٍّ منهم طريقه الخاص في الحياة، ما لا نفهمه هو تفضيل الوالدين الغير الصحيح، والذي يُسبب إنقساماً في العائلة الواحدة. وما لم نعرفه حتى الآن هو: هل أخبَرت رفقة إسحق زوجها بالرؤية التي كانت لها وقت الحمَل؟ وهل أعلمَت يعقوب، كونه الثاني والصغير، أن الله أعدَّ له مُستقبلاً مُتميّزاً؟ ففي لقاء بين الأخوين، حاول الصغير شراء "بكورية" عيسو بطبقٍ من العدس، فهل كان هذا محاولة من يعقوب لإتمام قصدِ الله؟ أم أن حُبَّ التسلّط دفعهُ ليستغلَّ هذه الفرصةَ لصالحهِ؟ على أيّة حال، يبدو أن عيسو ليس الشخص الذي يتأمل قبلَ أن يُفكّر في قراراتهِ، هو أشبه ما يكون بالحيوانات التي يصيدها: تُجوع وتبحث عن فرصة لتُقيتَ نفسها. عيسو يُمثل الإنسان الذي يُقرر وفقاً إلى حاجته، فيما يُقرر يعقوب وفقَ ذكائه. ثم أن علاقة الأخوين علاقةٌ مبنية على إعتقاد خاطئ من أنهما الوحيدان القادران على حلِّ أزمة الأولوية والحقوق، ولكن ما لا يعرفوه هو أن "مُقايضتهم" ستُحقق قصدَ الله مع أنهم لم يُكلّفوا رسمياً بذلك. كان عيسو إنسان يعوزه الصبرُ، مثلما كان يعوزه الطعامُ أحياناً كونه لم يُوفّقَ في الصيد دوماً، بخلافِ يعقوب الذي كان جائعاً أيضاً، ولكنه قرر أن ينتظر، وهذا ما يُريده الربُّ من الشعب: أن ينتظر. علينا أن نلحظ أن عيسو باعَ بكوريّته، وحلفَ مُتنازلاً عنها. هو إستخفافٌ بالحقوق وهذه فعلةٌ غير ممدوحةٍ مُطلقاً، وهي ستُؤسس علاقة جديدة على الله أن يتعامل معها، إما أن يقبلَ مثل هذا السلوك الإنساني، أو أن يشفيه مُخلّصاً العلاقات من فوضويتها. علينا نحن أيضاً أن ننتظر مصير علاقاتٍ مثلُ هذه! لربّما يتصوّر البعض أن الخاسر هو عيسو فقط، والحقيقة هي أن هناكَ خاسراً آخر وهو يعقوب، فإستخفاف عيسو بحقِّ البكورية لا يُعطي الحقَّ ليعقوب ليجعلها سلعة معروضة للبيع والشراء، فلا يُمكن أن نستغلَّ القريب في وقت ضعفهِ حتى نربحَ منه معنوياً أو مادياً، مُتناسينَ أنه إنسان. الغاية: أن يكون الأول، لا تُبرر الوسيلة يا يعقوب، يا مُختار الله. قصصُ إسحق (تك 26) نحن الآن أمام قصصٍ قديمة جداً في حياة إسحق حُفظَت لنا من خلال تقاليد عديدة. لم ينل إسحق المساحة القصصية التي حظيَ بها إبراهيم ويعقوب، فقصته جاءت لتختُمَ قصّة إبراهيم (تك 24)، أو مُقدمة لقصّة يعقوب (تك 25 و 27)، وكأننا أمام مرحلة إنتقالية ما بين إبراهيم وما بين يعقوب، فحتى القصص التي وردت في هذا الفصل جاءت وكأنها صدى لقصص إبراهيم. يظهَر إسحق في هذه القصص بدوياً يمتلكُ ماشيةً وينتقلُ في الأرض باحثاً عن الماء والعشبِ، وهذا ما يجعلهُ أحياناً قريباً من المُدن الكُبرى، وكان هذا فرصة للعديد من الأزماتِ والنزاعات حول الماء والعشبِ. ويبدو أن البدو كان يخشونَ أهل المدينة ولا يثقون بهم لاسيما فيما يتعلّق بالنساء، مما دفعَ بإبراهيمَ وإسحق للكذب حول هويّة زوجاتهم، لئلا يهلكوا بسببهم. علينا، نحن قُراء اليوم، أن نتريّث في أحكامنا الأخلاقية حول سلوكيات مثل هذه لأنها قصصٌ من بيئات وذهنياتٍ مُختلفة. حدثت مجاعةٌ إذن وعلى إسحق أن يجدَ أرضاً تُؤمّن له الغذاء والماء، ففكّرَ بمصرِ الخصبة، إلا أن الله أوصاه بالبقاء حيثما، واعداً إياه بالعناية به، ولأول مرّة نجد التعبير: "وأنا سأكون معكَ" (3). فعلى إسحق أن يؤمن، وهذا يعني عملياً أن يبقى حيثما هو، فبقيّ في جرار. ومع أن الله أشارَ له أن: "إبراهيم سَمِعَ كلامي، وحفِظَ ووصاياي وفرائضي وشرائعي" (5)، هو يعني أن عليكَ الطاعة مثلُ أبيكَ، إلا أن إسحق لم يتعلّم كثيراً من اخطاء أبيه إبراهيم فقدّم رفقة زوجته أختاً له في جرار خوفاً على حياته. نلاحظ كيف أن الإنسان الذي يُخفي هويّته، يتظاهر أو يتقنّع خوفاً لا يستطيع أن يكون مثلما هو حقاً، فيُشكّل أزمة بالنسبة لمَن هم من حولهِ. فعندما لا يكشف هويّة رفقةَ هو لا يكشف هويّته أيضاً، فيسأل الناس: مَن هو حقاً. لحسنِ الحظ، لم يأخذها أبيمالك ولم يمُسهّا أحدٌ، وإلا لكانت الكارثةٌ أعظمَ من أن تتحمّلها المدينة، فكُشِفَ أمرها، وإستلمَ إسحق توبيخاً قاسياً من أبيمالك، الذي تعلّم من الماضي، واعداً إسحق بالبقاء آمناً بينهم، وكانت بركة الربِّ معه: الحصاد الوفير والماء الغزير (7- 14). طاعة إسحق لكلمة الله بالبقاء في الأرض، جعلته أرضاً طيبّة لزرع ذا حصادٍ وفير، وحكمةٍ وهّاجة في حلِّ الأزماتِ، مما دفَعَ بأبيمالك للتحالفِ مع "رجلِ الله هذا" ليُؤَمِنَّ حياته وحياة أهل مدينته. وتأتي طاعة إسحق تواصلاً لطاعة إبراهيمَ أبيه الذي قالَ عنه الله أنه: "سمِعَ كلامي وحفِظَ أوامري ووصاياي وفرائضي وشرائعي" (5) لقد أظهرت هذه القصص ما معنى أن تكون مُباركاً؟ وهو يعني أن تكونَ عظيماً: "فعظُمَت مكانته وتزايدت إلى أن صارَ رَجلاً عظيماً جداً" (13)، وبالتالي سيكون له مجالاً رحباً للعيش (أرضاً)، ونسلٌ وأشغالٌ ناجحة، وحصادٌ وفير، وماءٌ للماشية، وحمايةٌ آمنة من قبل الله، واحترامُ ومهابةِ الآخرين من حوله، وإذا ما وقعَ في مواقف مُحرجة، حتى وإن كان هو سببها، أو أن الآخرين يحسدونه أو يُضايقونه، فسيختبرُ الإنقاذ الوفير. وإسحق هو إبن الوعدِ الحامل البركةِ. بركة سيحاول أن يتسغلّها من أجل الآخرينَ أيضاً، فيكون هو حاملُ البركةِ وسببها كما نلحظ في وفرة المياه حيثما حفروا (15- 22). بركةٌ سيحاول يعقوب الحصول عليها بأي ثمنٍ كان، ويأتي خبر زواج عيسو من بنات الحثيين ليُشكّلَّ خيبة أملٍ لإسحق ورفقة، وهو تميهدٌ لقصص لاحقة. البركة: نعمة ونقمة (تك 27: 1- 46) التقليد اليهوهي 27: 1- 45 تبدو جميع شخصيّات سفرُ التكوينِ مشغولة بالبركة الموعودِ بها من الله، فهي، وكونها دعوة من الله، تُعطي صاحبها قوّة وهيبة ورفاهية محسوسة، غير متناسين أنها تتطلّب تغييراً حياتياً جذرياً على صعيد شخصي وعائلي أيضاً. لقد أقسمَ عيسو بأن البكورية هي ليعقوبَ، ولكن يعقوب يعرف جيّداً أن البركة لابد أن ينالها من أبيه إسحق، الذي بدأ نظره يخفت، وهذا قد يُوفر فرصةً له ليخدعه، ولكن عليه أن ينتظر. يُريد إسحق أن يُعطي البركة لإبنه البكرَ عيسو من دون أن يعرِفَ أن الأخير، باعَ البكورية بصحنٍ من العدس، ولأن كلَّ شيءٍ يجب أن يمُرَ عبر معدته، فأرسلهُ للصيد، فيما تستسرق رفقةَ السمعَ، وتُهييء نفسها لتقومَ بما لم تُكلّف به، أي: أن تحول البركة إلى يعقوب الصغيرَ. هنا نسأل: هل أخبرَ يعقوب أمّه ما حصلَ بينه وبين عيسو؟ وكيف أن عيسو تنازلَ عن البكورية؟ لا يُخبرنا النص عن تفاصيلَ مثل هذه. ما يبدو واضحاً أن رفقةَ تشعرُ بأهمية أن تُتمِمَ القول الإلهي الذي صارَ لها وقتَ الحمل، مع أن الله لا يقبلُ بالكذبِ والخداعِ والمُكرِ، هو قالَ، ولكّنه لم يُشر كيف يتمُ القولَ، ومَن ذا الذي سيُتمّهُ، لذا تقعَ كل المسؤولية على الأمِ وإبنها فيما سيحصلَ من أزماتٍ. هما يران القولَ الإلهي "هدفاً" يُغتَصَب، لا سنداً يُتّكلَ عليه. المُشكلة أن يعقوب لا يرى سوى "نفسهِ الجشعة"، هو لا يُعارضَ إقتراحَ أمه رفقة بسبب موقفٍ أخلاقي شريف: أبي رجلٌ شيخٌ ولا يحسنُ خداعهُ لأنني رجلٌ أؤمنُ بالإستقامةِ"؛ هو لا يُفكّر بمثلِ هذا المُستقيم، بل، يعترضَ خوفاً على نفسه: "لكنَّ عيسو أخي رَجلٌ أشعرُ وأنا رجلٌ أملس. ماذا لو جسّني أبي فوجدني مُخادعاً؟ (12). يعقوب يُريد البركة ويتطلّع إليها مهما كان الثمنُ غالياً، حتى لو قادَ رجلاً أعمي إلى حفرةٍ ليسقط فيها، حتى لو تمزّقت العلاقات بين الأسرة، فهذا لا يُثير في نفسه مشاعرَ الندم أو الأسفِ، ما يهمّه هو سرقة البركة، فيُخطط مع أمّه ليخدعاَ إسحق الأعمى، فيُبرر إستخدام وسائل سلبية (الخداع خرابُ الأسرة) للحصول على ما هو إيجابي (البركة)، من دون أن يعي أن أثارَ فعلته لن تُمحى بسهولة. يعقوب مُستعد لأن يقف ضدّ الجميع ليحصل على ما يُريد، والبركة التي يجب أن تُوحّد شعوبَ الأرض بالسلام، صارت سبب نقمةٍ على الجيمع. يدخل يعقوب، الأعمى بسبب حُبّه لنفسه، إلى خيمةِ أبيه، الأعمى بسبب شيخوخته، ويُقدم نفسه أنه عيسو العائد من الصيد، فيكذب قائلاً: "أنا عيسو بِكرَكَ"، فعلتُ كما أمرتني (19). الصوت صوتُ يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو. إعتمادُ إسحق صارَ على الحواس، كونه لا يرى، فيُقرّبه إليه ليشمّه، فإذا هي رائحة عيسو، فيُعانقه ويلفظُ البركة، ويا لها من بركةٍ وافرة: "ها رائحةُ إبني كرائحةِ حقلٍ باركة الربُّ يُعطيكَ الله من ندى السمّاءِ، ومن خصوبةِ الأرض فيضاً من الحنطةِ والخمرِ! وتخدمُكَ الشعوبُ وتسجدُ لكَ الأممُ! سيداً تكون لإخوتك، وبنو أُمّكَ يسجدونَ لكَ. ملعونٌ مَن يلعنَكَ، ومُباركٌ مَن يُباركك! (27- 28) بركة طبيعية، وبركة إجتماعية فللكلامِ قوّة وتأثير عظيم نأسف أننا فقدناه في عصر الإعلام، حيثُ الكلام المتواصل الذي لا معنى له، وليس قوّة فاعلة. الكلام عند الأقدمين مليءٌ بالنشاط والفاعلية، وهو يرسمُ مُستقبلَ المرء، وإذا كانت بركةُ، ففيها إلزامٌ على الله، شريكُ الإنسان في العهد، لأن يفيضها وبوفرةٍ. لقد صارَ يعقوبَ مركزَ الكون، ومصير العالم يعتمدُ على موقفهم منه: ملعونٌ مَن يلعنكَ، ومُباركٌ مَن يُبارككَ. الجميع يسأل: كيفُ يُمكن لله أن يُباركَ شخصاً مُحتالاً مثلُ يعقوبَ؟ هل من المعقول أن ينالَ شخصٌ ماكرٌ مثل يعقوب كل هذه الوعود الجميلة؟ الله غريبٌ في قرارتهِ وإختياراته!!! ولكن علينا أن نرى الجانبَ الآخر من القصة، فهي قصّة أبونا يعقوبَ، وهي قصّتنا إذ فيها نكتشفُ شيئاً من بشريّتنا أيضاً، فنحنُ لسنا بأقلَّ منه حيلة ومُكراً وخداعاً، وفينا الكثير من الأنانية وحب السيطرة والعطشَ إلى السلطة والإمتيازات، والسعي العنيد نحو الغنى، ولكن لنا أساليبُنا المتطوّرة، وحُججنا ومُبرراتُنا. نحن مثلُ رفقة ويعقوب نُوقفُ السماءَ والأرض من أجل مصالحنا، ونستخدم كل ما بوسعنا لنُحقق طموحاتنا. لقد وضعَ يعقوبَ شعاراً لحياته: أنا أولاً، ويُغذي هدفهُ حُبُ السيطرة، فوضّعَ نفسهَ مركزَ العالم كلّه فسعى نحو تحقيق هذا الطمعِ بأنانيةٍ ومن دونٍ رحمةٍ، وإذا ما وقفَ أمامهُ أخاه الطموح، وأباه العجوز، لا يعجز من أن يُزيحهما عن طريقهِ، حتى لو سحقهما إنسانياً ومعنوياً، مُتناسياً أن مَن يسحقُ الآخرين، سينال نفسَ المصير، فـ"بالكيلِ الذي به تكيلونَ يُكال لكم ويُزاد". سيُعلّمه الله المعنى الحقيقي لعبارة: "أنا أولاً"، ولكن عبر محطّاتٍ ودروسٍ قاسية.
قراءة 3733 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %048 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *