ندوة الكتاب المقدس
%AM, %08 %337 %2011 %10:%شباط

ندوة الكتاب المُقدس اللقاء الثالث

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
ندوة الكتاب المُقدس اللقاء الثالث محاولات بشّرية لإتمام الوعد قلقَ أبرام من إبطأ الله في تنفيذ وعده، فبيّن الله له أنه عازمٌ على إتمام الوعد كلّه: الخيرات والأرض والنسل أيضاً، ونسلٌ من صُلبهِ (تك 1
ندوة الكتاب المُقدس اللقاء الثالث محاولات بشّرية لإتمام الوعد قلقَ أبرام من إبطأ الله في تنفيذ وعده، فبيّن الله له أنه عازمٌ على إتمام الوعد كلّه: الخيرات والأرض والنسل أيضاً، ونسلٌ من صُلبهِ (تك 15: 4). وكشفَ له الله أيضاً أن أحفاده سيُعانون التغرّبَ والعبودية والعذاب لأربعمئة سنة، أي لزمنٍ طويلٍ، ولكّنهم سيعودون إلى الأرضِ مُباركين بثروةٍ كبيرة. علينا أن نتذكّر دوماً أن هذه النصوص قُرأت على ضوء خبرة الشعب، والتي حملت فتراتٍ من تاريخهم خبراتٍ مريرة، ويضع الكاتب المُلهم أبرام إزاء الشعب لتكون حياته صورة لما يُريدة الله من شعبهِ، ويحمل في ذات الوقت تاريخ الشعب وخبراته. إضافة إلى أن هناك تساؤلات كانت تُقلِق شعب إسرائيل منها: ما أصل القبائل المُجاورة كالإسماعيليين؟ وما علاقتُنا بهم؟ هناك سمات دينية مُشتركة بيننا وبينهم! ما أصل هذه المُشتركات؟ كثرتُهم يعني أنهم شعبٌ مُباركٌ من الله، كيف حصلَ هذا؟ لما علينا أن نحذر من قبائل معينة ولنا فرصة التعامل مع غيرها؟ مع وضوح هذا الكشفِ، إلا أن أبرام ما زال مهموماً بالسؤال: هل سيكون هناك وريثٌ؟ هل لي أن أثقّ بالمستقبل الموعود من الله؟ إذا قال الله أنه "من صُلبِكَ سيخرج مَن يرثُك! فلما لا نحاول؟ بالتأكيد يقع أبرام تحت ضغط البيت: ساراي التي تطلب ولداً، وتُريد أن ترى وريثاً أمامها، فيتغيّر أبرام أمام الله، ويستجيب للضغوطات، وينسى مرّة أخرى أن الأمرَ بيد الله. وبدأ أبرام وساراي بمحاولاتهما لإتمام وعدَّ الله بالسُبل المُتاحة آنذاك. فتأتي ساراي وتقول لأبرام: "الربُّ منعَ عني الولادة، فضاجع جاريتي لعلَّ الربَّ يرزقني منها بّنينَ" (16: 2). نحن نعلم أن الله لم يقل يوماً لأبرام أو لساراي: أنه سيمنع عن ساراي الولادة!!! على العكس، لقد تدخّل لصالح ساراي ليحميها من شهوات فرعونَ مصر، ويحفظ أمَ إبنِّ الوعد آمنةً، فنسأل ساراي: ما سبب مثلُ هذا الحُكمِ على الله؟ لماذا نتهمُ الله بما لم يفعلهُ؟ يبدو أن الإنسان لا يمتلك الصبرَ الكافي للسير بتواضع أمام الله، يُريد أن يُعجّل الأحداث ويمتلكَ زمام الأمور ويُسيّر حياته مثلما يُريد، جاعلاً في ذلك إرادة الله. لذا، تسعى ساراي لتنفيذ وعدّ الله بطريقتها الخاصّة: ضاجع جاريتي! وأودُّ هنا أن أُشير أيضاً على ضرورة أن لا نحكم على هذه النصوص بمنظار اليوم وما نمتلكه من قيم وتعاليم أخلاقية مسيحية حول الزواج والعائلة. علينا أن نسمع ونرى ونفهم، لا أن ندين أو نحكم. كان الولد عطيّة بركةٌ يسبغها الله على الزوجين، ويُضحي من أجلها الرجل والمرأة بكل ما يملكان من أجل أن يكون لهما ولد. من هذا المُنطلق تتقدم ساراي بهذا الطلب لأبرام: خذ جاريتي. وهو أمرٌ معمولٌ به آنذاك، ولم تكن ساراي أول مَن تُقدّم جاريتها لزوجها. فالمرأة العاقر كانت سبب ملامةٍ وإحتقارٍ كبير؛ "فأخفت أمرها خَمسةَ أشهرٍ. وكانت تقول: "هذا ما أعطاني الرَّبُّ يوم نظرَ إليَّ ليُزيل عنيَّ العارَ من بين الناسِ" (لوقا 1: 25). لذا جرت العادة على أن تُقدّم الزوجة جاريتها المُفضلّة على أن يُولد الطُفل على ركُبتي الزوجة، وهكذا، وبشكلٍ رمزي، يكون طفلها الذي تقدّمه لزوجها. مع إيماننا بصدقِ النوايا، إلا أن هذه المحاولات البشرية لا تخلو من مخاطر وإنتهاكات. الإنسان يسعى لفعلِ شيء أزاء ما يؤمن: أنه مشيئة الله، وقد يصل به الأمرُ إلى تجاهل بعض القيم الإنسانية، ولربما تجاهل حياة الإنسان الآخر، ويبقى يُعلن أنه يُريد أن يُكمل إرادة الله. كثيراً ما يكون تدخلنا في حل الأزمات سلبياً على الرغم من رغبتنا في حلّها بأقل الخسائر الممكنة. كم من عائلة عانت، وتُعاني، من تدخّل سلبي لطرفٍ ثالث، أو محاولة إقحام طرفٍ ثالث في علاقة زوجية متأزمة؟ كم من حلول نقترحها، وبحُسن نية، ولكنها ذات عواقب وخيمة، لا بل قاتلة؟ علينا في كلِّ مرّة أن نسأل أنفسنا قبل أن نختار أي طريق: هل هذا سيجعلني أكثر حُباً للإنسان ولله؟ هل هذا الإختيار سيوفّر لي فرصة تطوير علاقاتي الإنسانية وتحسينها؟ هل أختياري سيجعل حياة القريب أكثر كرامةٍ؟ هل أن قراراتي جسورُ ثقة أو عوازل تمنعني من لقاء الآخر؟ مثل هذه الأسئلة ستُساعد الإنسان ليُميّز إرادة الله أكثر في حياته. لقد وجَدَ إبرام وساراي (مثلما نجد نحن أيضاً)، صعوبة بالغة في تمييز إرادة الله في حياتهم. لذا، كانوا يُجربوّن كل ما بإستطاعتهم، وحتى أنهم أحياناً يسلكون الطُرق الخاطئة والتي كان لها أن تُدمّر الوعد لولا رعاية الله لهم ولوعده. ذاتُ المشهد يتكرر مراتٍ كثيرة معنا أيضاًً، وكُنا سنشهدُ مأساة إيمانية بسؤال المجوس ملك اليهود، فوقفوا أمام هيرودس يطلبون عنوان هذا الملك، إلا أن الله حفظ العائلة وأرشدَ المجوس نحو طريقٍ آخر (متى 2). وَجَبَ أن نفهم أن كلَّ ما يأتي من الله فهو باقٍ أما ما يأتي من الإنسان فهو زائل، على حدِّ تعبير غمالائيل (أع 5: 38- 39). فعلينا دوما أن نطلب مشيئة الله وإرادته؛ "لتكن مشيئتُكَ" (متى 6: 10). مشيئةٌ التي مراراً ما تختلط فيها مشيئتنا وإرادتنا الشخصية، ونسعى في أحيانٍ كثيرة إلى تمرير ما نُريدهُ وما نطمح إليه، غير متناسين تأثيرات ماضينا وثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا والتي تنسلُ هي الأخرى في أقدس لحظات حياتنا. ربّنا يسوع المسيح واجه مثل هذه التحدّيات: "إذا كنتَ إبن َالله، فمُر أن تصير هذه الحجارة أرغفةً" (متى 4: 1- 11)؛ لربّما يتبادر إلى الأذهان أن مثل هذه الخطوات ستُساهم في التخفيف عن كارثة المجاعة التي تُعاني منها شعوبٌ كثيرة، إلا أن ربّنا يرفض مثل هذه التجربة لأن فيها تعدٍ على قدرة ومكانته، لا يُريد ربّنا أن يأخذ مكان الله في حياة الناس. ويُشير ربّنا أيضاً أن نحذر من المُجرّب فله طُرقٌ عديدة ليأخذنا بعيداً عن الله ومشيئته؛ فأفكاره وتوجيهاته تأتينا بلباس الحملان، فعلينا أن نُميّز ونتأنى ونصبر لنرى الثمار التي ستفصِح عن حقيقة الناس (متى 7: 15- 20). فهل ستقودني خطوة أو فكرة ما نحو التقّرب أكثر من الله ومن القريب؟ هل سيبقىَ الله إلهاً قديراً في حياتي أم أن هناك مَن سيحلُّ محلّه؟ هل أن محبة القريب ورفاهية حياته هي النداء الأول في هذه الخطوة، أم مصالحي وراحتي؟ من الواضح جدّا أن أبرام وساراي لا يملكان الصبر المطلوب في مسيرتهما مع الله، وبالتأكيد نحن أيضاً. الإيمان ليس سهلاً، لأنه دعوة تتطلّب ثباتاً وتواصلاً في مسيرة عكس التيّار. الإيمان نداء للثقة بنعمة الله التي تُعارضها أحداث الحياة اليومية. فهل يتمكّن أبرام وساراي من الوثوق بوعدِ الله؟ السنواتُ طالت ولم يختبرا ما يُعطيهم أملاً في أن الأمرَ سيتحقق، فما العمل؟ قصتهما قصة كل إنسان يملأه الأمل ولكنه لا يمتلكُ الصبر الكافي لينتظر خلاصَ الله: الذي يصبر إلى المُنتهى فذاك يخلص. مولدُ إسماعيل (تك 16) التقليد اليهوهي 16: 1ب- 2، 4- 14 والتقليد الكهنوتي 16: 1أ، 3، 15- 16 تُشكّل ولادة إسماعيل تحولاً كبيراً في قصّة أبرام، لا بل تعقيداً للقصة. إسماعيل صارَ تجربة وتحديّا سلبياً إزاء الوعد. يُمكن لأبرام الآن أن يثقَ بقُدرتهِ الشخصية أكثر من أن يثقَ بوعدِ الله. إسماعيل هو إبنُ إيمانٍ منقوص، لذا لا يُمكن أن يكون هو الوريث. وكان مولده سبب خلافٍ في العائلة الواحدة: بدأت مشاعر التكبّر من هاجر إزاء سيّدتها ساراي، فهي تفتخر أنا إنتصرتَ على سيّدتها وحققت لأبرام ما لم تُحققه له ساراي، وتفجّر الحسد والغضب في نفس ساراي الزوجّة وسيدة هاجر التي راحت تشكو مرارة ما تعيشُه من مشاعر أمام أبرام. ساراي لا تتحمّل رؤية هاجر الولود أمامها، وإهتمام أبرام بها وبالوليد، الوليد الذي سيكون الوريث. وأبرام هو المسؤول عن إقامة العدالة في بيته، لذا يسمع شكوى ساراي، ويُسلّم أمر هاجر لساراي زوجته ويترك أبرام مسرح الأحداث لساراي وهاجر التي تهربُ من سوء معاملة سيّدتها لينتهي بها الأمر في الصحراء تتمنّى الموت. إلا أن الله يُعبّر عن رعايته لمَن هم ضحية مواقف بشرية منقوصة، فيُبدي إهتماماً بها، ويُرسل ملاكاً؛ شيخاً حكيماً، يُعيدها إلى سيّدتها. لم تتعرّف هاجر منذ البدء على هوية المُتحدّث، فشكت له حالتها بكل صراحةٍ، فأجابها: "أنت حُبلى وستلدين إبناً، فتُسمينه إسماعيل لأن الربَّ سمِعَ صُراخَ عنائكِ ... (16: 11). كلامهُ يحمل سلطةً ويكشفُ لها أن رحمة الله ضللتها وهي في الصحراء، وتبنّت ماضيها ومُستقبلها، فتعي هاجر أنها في حضرة "الله" الذي رأى عنائها. هروب هاجر من بيت سيّدها لم يمنعها من أن تُصارح هذا الحضور الإلهي؛ هي تروي قصّتها من دون أن تكذب أو أن تُخادع، لذا تتلقّى الجواب الذي يُعيد الأحداث إلى نِصابها الصحيح: العودة إلى البيت، وأختبرَت هاجر حضور الله معها فأعلنت إسمه أنه إله يرى، يشعر بألم إنسانهِ، إلهٌ يتعاطف مع المُضطَهَد، وليس صنماً جامداً، وأنه أعطى لها إذناً صاغية: إلهي يسمعوني، إسماعيل (ليسمَعَ الله). مرّة أخرى يخلط الإنسان الأحداث، ويتدخّل الله لصالح المُنكسرين والمغلوب على أمرهم ويُعطي للعلاقات الإنسانية نَفسَ حياةٍ فيجعل التواصل ممكناً بين شخوص القصة: أبرام وساراي وهاجر وإسماعيل. ويُباركَ إسماعيل بأرضٍ خارج حدود أرضِ الميعاد. الله الذي يريد أن تكون الحياة للجميع، وبوفرةٍ، ولاسيما المُضطَهَدون، فوعدُ الله لأبرام وساراي لا يعني مُطلقاً أن الله أنكرَ حياة الآخرين أو تجاهلهم، يبقى الله راعياً لجميع البشر، وقادرٌ على أن يلفظَ بركته على هاجر أيضاً. العهدُ والختان (تك 17) التقليد الكهنوتي 17: 1- 27) نحن الآن أمام نصٍ وصل إلينا من يد التقليد الكهنوتي وهو تقليدُ نمى وتطوّر في منفى بابل على يد الكهنة الذين إستلموا زمام الأمور الدينية بعدما فقدوا الهيكل ومؤسساته عام 587 ق.م. واجه الشعبُ تحدّيات إيمانية صعبة في بابل. بابل التي إشتهرت بأساطير الخلق والنشوء، بابل نبوخذ نصر الملكُ العظيم الذي كان يحمل وحده "صورة الأله ومثاله" لكي يكون ممثله الوحيد على الأرض؛ فلم يبقَ أمام الشعب سوى خيارُ الإلتفافِ حول قادتهم الروحيين – الكهنة- الذين بدأ بشرحِ التوراة لهم يوم إستراحتهم الأسبوعية (السبت)، وجاء هذا الشرح ليُفسّر واقعهم اليومي، ليس فحسب، بل ما يتطلّعون إليه. فالحياة بالنسبة لهم ليست تكراراً للماضي، بل إستجابةُ لنداء نحو المُستقبل. فتأتي قصة العهد والختان (تك 17) من هذا المحيط، وتُسلّط الأضواء على حاضر الشعب، حاضرٌ مأساوي ولكنه يبقى تحت أنظار الله الأمين لوعده. مرّت ثلاثة عشر سنة على ولادة إسماعيل ولم يرَ أبرام أو ساراي أية ملامح لمجيء إبن الوعد، وعمر أبرام وساراي لن يسمح لهما مُطلقاً بالولادة، لقد ماتت أحشاءُ ساراي. فيأخذ الله المُبادرة ويتراءى لأبرام ويُعلن العهد الذي أسسه؛ ويُعلن معه أنه عازمٌ على أن يُعطي لأبرام وساراي ولداً في ساعة لا ينتظران فيها ولد. الله يُلزَِم نفسه بشعبٍ، ويقبل أبرام هذا العهد المُعلن له من خلال تعبّد مهيب: "فوقعَ أبرامُ على وجههِ ساجداً" (15: 3). هناك تشابهُ لغويٌّ واضح ما بين هذا النص ونص الخلقة في تك1: "سأنميكَ كثيراً جدّاً، وأجعلُكَ أُمما، وملوكٌ من نسلك يخرجون ... (6) "وأمَّا إسماعيل فسمِعتُ لكَ، وها أنا أُباركه وأُنميّه وأُكثّرهُ جداً، ويلدُ إثني عشر رئيساً وآجعلُ نسلهُ أُمّةً عظيمةً ... (20) "وباركهم الله، فقال لهم: "أنموا وأكثروا وأملأوا الأرضَ، وأخضعوها وتسلّطوا على سمكِ البحرِ وطير السماء وجميع الحيوان الذي يَدِبُ على الأرضِ" (تك 1: 28) وهذا يعني أن أبرام يُمثّلُ "الخليقة الجديدة" حاملاً ما ينتظره الله من الخليقة، الخليقة التي يرتبطَ معها الله بعهدٍ: "وأُقيمُ عهداً أبدياً بيني وبينكَ وبينَ نسلكَ من بعدكَ، جيلاً بعدَ جيلٍ، فأكونُ لكَ إلهاً ولنسلِكَ مِن بعدِكَ" (7). هذا الكشفُ ليس كشفاً معلوماتياً، بل بشارة رجاء للشعبِ الذي فقدَ كل الضماناتِ في بابل: الحرية والكرامة والأرضَ والهيكلَ والملوكية. إلهنا لا يخجل من أن يكون إلهَ شعبٍ مُحطّمٍ مُهان، هو إلهُ المُتأملين. هو إلهُ عهد رجاء وهوية وإنتماءٍ ودعوة. فأول ما يفعله الله هو "تبديل الأسم: "لا تُسمّى أبرام بعد اليوم، بل تُسمّى إبراهيم، لأني جعلتُكَ أباً لأُمم كثيرةٍ" (17: 5). الله يُعطي إبراهيم إسماً جديداً وهوية جديدة، وهي خطوةٌ هامّة في طريق تنفيذ الوعدِ. وكذا الأمرُ مع زوجته ساراي، هي الأخرى ستقبل إسماً جديدة: "أمّا ساراي أمرأتُكَ فلا تُسمِّها ساراي، بل سارةَ" (15: 15). كلاهما مدعوّان لأن يستسلما لمشروع الله بطاعة كاملة، لأن الله عازمٌ على تحقيق مشروعه، ويُظهِر قُدرته في الإنسان؛ شريكهُ في العهد. والإنسان هنا هو إبراهيم وسارة معاً، كلاهما "ذكراً وأنثى خلقهم" (تك 1: 27) يقبلان البركة والإسم، فما يقوله لأبراهيم يقوله لسارة. كشفُ الله يُبرز ما سيُحققهُ هو للإنسان، وما يطلبُه الله منه أيضاً: أُسلُك أمامي ... سرّ أمامي وكُنْ كاملاً (15: 1)، فالحياة مسيرة على الطريق، ولا يطلب الله موقفاً أخلاقياً فحسب، بل يُريد "كُلَّ حياة إبراهيم"؛ إستسلامُ تام لمشيئته. الله يطلّب "كلَّ الإنسان" من دون إنقسام، فلا مجال لموقفٍ متأرجح، إمّا الكل وإمّا فلا. وعلى الإنسان من جانبهِ أن يُحافظ على العهد الذي أسسه الله، وعلامة على قبولهِ هذا العهد، وشهادة من الإنسان للكشفِ الذي بيّن خلاص الله، سيقوم إبراهيم بختان جميع الذكور إعترافاً منه بقبول بركة الله. فلم يعد إبراهيم حُراً أمام هذا العهد، عليه أن يقبل الختان، الختان الذي كان ممارسةً إجتماعية أضحى علامة إنتماء إلى العهد ومن ثمة الجماعة؛ ومَن يرفض الختان، يُقطع عن الجماعة، كونه يرفض العهدَ. هو إلتزامٌ شخصي مسؤول له أثره في جسد الإنسان وفي الجماعة التي يعيش معهم وبينهم. كما أشرتُ في بدء اللقاء، علينا أن لا ننسى أن الحياة عادت لهذه النصوص في بابل حيثُ فقد الشعب كل خصوصيّاته: الأرض والهيكل والمَلك والأعياد والطقوس، فلجأ إلى جُملة تقاليد وأعراف ضمن واقع الأسرِ وظروفهِ ليُميّزَ نفسه عن غيره، والختان وحفظُ يوم السبت برزت كجزءٍ من الهوية والإنتماء التي يُراد لها أن تضيع وتُمحى. الهوية والإنتماء أمرٌ هامٌ بالنسبة للشعب، وفي مسيرة نموِّ كل إنسانِ نحو تحقيق ذاته. فالإيمان الكتابي يُعاش من خلال وعدٍ غريبِ والذي يتطلّبُ علامةٍ فارقة يُعلِن من خلالها المؤمن أنه ينتمي إلى هذه الجماعة الذي هي مُلكُ الله وحده. وما يُميز هذه الجماعة هو أن الله أختارها وباركها برسالةٍ، بتكليفٍ. فلهذه الممارسة الخارجية: الختان، أساسٌ لاهوتي لا يُمكن فصلهما عن بعضهما، وإذا ما حصلَ مثل هذا الإنفصال، فستضحى فعّالية فارغة المعنى في مسيرة خداع الذات ليس إلاّ، أو لضغطٍ إجتماعي، وفي كلا الحالتين ستُضعِفُ الفرد عوضَ أن تقوّيه. إبراهيم ... زدّ إيماني مع تكرارِ تأكيد الله لوعده لإبراهيم، إلا أن إبراهيم لم يتمكّن من إستيعاب وفهم وعدَ الله لذا لم يثق بالوعد، وحاول بطرقه الخاصّة تنفيذه. بالطبع لم يعد للشكِّ مكاناً في نفسه لأنه وصلَ إلى قناعاتِ من أنه غير قادرٍ هو وسارة بشرياً على الإنجاب، "أيولدُ وَلدٌ لأبن مئةِ سنة؟ أم سارةُ تلد وهي إبنةُ تسعينَ سنة؟ لذا، ضَحِكَ عندما سمعَ أن سارة ستُبارَك بإبنٍ وبنسلٍ وشعوبٍ وملوك، مُعبّراً بذلك عن خيبة أمله وعن قلّة إيمانهِ؛ وكان ما كان يتمناّه هو أن يحيا إسماعيل ليرثَه، إسماعيل الذي يُمثل محاولة بشرية لإتمام وعدِ الله، فأضحى "إسماعيل" تهديداً للوعد الإلهي، كونه يحمل آمال وطموحات إبراهيم، الذي أبعدَّ الله عن دائرة الأحداث. وكأن بإبراهيم يقول لله: أنا الذي أنجحتُ مشروعَك يا الله، لولا تدخلي في اللحظات الأخير، أنا وساراي، لما كان لوعدكَ أيُ مُستقبلٍ. الإيمان مطلبٌ أساسي في الحياة مع الله، حياةٌ عبّر عنها والد الصبي أمام ربّنا يسوع بقوله: "عندي إيمانٌ! ساعدني حتّى يزيد" (مر 9: 24). فعلى الرغم من كثرة العلامات (الآيات أو المعجزات) يبقى الإنسان يجد صعوبة في فهمِ ما يقوله الله، مثلما سيجد التلاميذ صعوبةً في فِهمِ ما يُريده يسوع منهم: "وكانوا قد نسوا أن يتزودوا خبزا، ولم يكن معهم في القارب إلا رغيف واحد. وأوصاهم قائلا: «انتبهوا! خذوا حذركم من خمير الفريسيين وخمير هيرودس». فأخذوا يحاجون بعضهم بعضا، قائلين: «ذلك لأنه ليس عندنا خبز». فعلم يسوع بذلك، وقال لهم: «لماذا يحاج بعضكم بعضا لأنه ليس عندكم خبز؟ ألا تدركون بعد ولا تفهمون؟ أما زالت قلوبكم متقسية؟ لكم عيون، ألا تبصرون؟ لكم آذان، ألا تسمعون؟ أولستم تذكرون؟ عندما كسرت الأرغفة الخمسة للخمسة الآف، كم قفة ملأى بالكسر رفعتم؟» قالوا له: «اثنتي عشرة!»، «وعندما كسرت الأرغفة السبعة للأربعة الآف، كم سلا مليئا بالكسر رفعتم؟» قالوا: «سبعة!» فقال لهم: «وكيف لا تفهمون بعد؟ » (مر 8: 14- 20) جواب إبراهيم وضحكتُهُ، وجوابنا هو: لا لم نفهم بعدُ، فهناك عوزٌ في الفهِم يُرافقنا دوماً في مسيرتنا مع الله. وصعوبة الفهم لا تكمن في "العقل" بل في "الإرادة"، لأن القلبَ قد قسى، شاخَ، مثلما شاخت أحشاءُ ساراي، لذا فهو غير قادرٍ على إستقبال "جديد الله". ويأتي تأكيد الله له: "بل سارةُ آمرأتُكَ ستلِد لك إبناً وتُسمّيه إسحق" (17: 19). سيُباركَ الله إسماعيل بناءً على طلبِ إبراهيم ويُنمّيه ويُكثره، ويلدُ إثني عشر رئيساً (وليسوا ملوكاً مثلما وعدَ الله لإبن الوعد 17: 6)، ولكنه لن يكون هو الوريث، لأن الوريث هو إبن النعمة وليس إبنُ الضرورة. ضحكةُ سارة (18: 1- 15) التقليد اليهوهي 18: 1- 19: 38 يواصل الله كشفه لإبراهيم وهذه المرة في وضحِ النهار ومن خلال ثلاثةِ رجالٍ لا نعرّف هويتهم ولا مرجعيتهم، ولم يسأل إبراهيم من أين جاءوا أو إلى أين هم ذاهبون، هو يراهم ببساطة حضور الله الذي يجب أن يُضيَّف بمهابة. نحن نعرف أن لهم علاقة بتراءي الله: "وتراءى الربُّ لإبراهيم"، ولكنَّ إبراهيم نفسه لا يعرف ذلك، فحضورهم كان مُفاجاة لإبراهيم، لأن الراوي لا يقول لنا: "فرفعَ عينيه ونظرَ فرأى ثلاثة رجالٍ يأتون إليه"، بل يُخبرنا بأنهم كانوا "واقفين أمامهُ" في ظهورٍ مُفاجأ لإبراهيم ولنا. وقفهم أمام إبراهيم تعبير عن رغبتهم في البقاء. فيقوم إبراهيم الشيخ بالتحرّك الفاعل ويهتم بتفاصيل إستقبال الرجال فيأمّر جميعَ مَن هم في الخيمة بالعمل، لتهيئة المائدة؛ أفضلُ أنواع الدقيق والعجلُ المُسمّن المُعد للولائم المُفرحة، وكان ذبيحة الأغنياء في الهيكل. فأختار إبراهيم أفضل ما لديه وقدّمه لضيوفه ووقف أمامهم تحت شجرة ممرا: "شجرة التعليم" يخدمهم. وقوف الخدمة وقوف إحترام في حضرة ضيفٍ مهيبٍ، وهذا الوقوف والإستعداد سيُؤتي ثمره بالتأكيد. فيما هم مُغادرون تتغيير الأدوار ليكونَ إبراهيم "المُستقبِل" لخبر ولادة الإبن، ولادة لا يُمكن تصوّرها عقلياً لأنها مُضادة للواقع الإنساني، فصمتَ. أما سارة، التي كانت واقفة عند باب الخيمةَ وراءَه؛ وراء مَن؟ لا نعرف!!! فتضحك وقالت: أبعدما عجزتُ وشاخَ زوجي تكون لي هذه المُتعةُ؟ تضحك وتُنكر أنها ضحكت، ويؤكد لها الله الخبر وأنها ضحِكت. إبراهيم وسارة مُستعدان لإستقبال الله ولكنّهما غير مُستعدان لإستقبال ما يُريد منهما. ضحكة سارة لها ما يُبررها، فهي لا تعرف هويّة المُتحدّث إليها، وواقعها يُشير إلى جفافٍ ويبوسة قاتلة لا أمل فيها، ولا يُمكن لها أن تنعمَ ببركة الولادة والأمومة، ناهيكَ عن حقيقة شيخوخة إبراهيم. ضحكة تُعبّر على عدم إيمان سارة على الرغم من أنها لا تقصده، كما وتُظهِر أن كلمة الربَّ أُستُهزاءَ بها. لذا، نصل عند الكلمة الأهم في كلِّ القصة: "أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14). عدم إيمان سارة يقودها إلى حالةٍ من الخوف عندما تواجه بهذه الحقيقة، وخوفها يدفعها للكذب: "ما ضحكتُ" (15) ليختم الربُّ اللقاء بتأكيدٍ: "لا، بل ضحكتِ". مرة أخرى نجد أنفسنا أمام "أزمة إيمانية"، فالواقع بما يحمله من معطيات يُخالف وعدَ الله. تعوّدَ إبراهيم وساراة على حالة العقمِ، وقبلاَ على مضضٍ موتهما المُبكّر؛ لا أولاد لا مُستقبَل، لذا يرفضان بقوّة قبول البشارة التي يُعلنها الربُّ لهما. ولكن علينا أن لا نتيهَ في مثل هذه التفاصيل، فحالة "عدم الإيمان" خبرة تتكرر في علاقة الله مع الإنسان. السؤال الأساسي للكتاب المُقدس، والذي تذكره هذه القصّة هو: "أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14). فالبشارةُ تحدٍ يتطلّب موقف، وسؤال ينتظر الإجابة، ويجب أن تكون الإجابة من الإنسان، لا من الله، أي إجابةٌ شخصية من إبراهيم وسارة (منّا). "أيصعبُ على الربِّ شيءٌ" (14) فإذا كان الجواب: نعم، هناك بعض الخبرات صعبة على الربِّ أن يُحققها!!! فمعنى ذلك أن الله فقدَ قدرتُه وحرّيته في أن يكون الله، وما نحن إلا خلائق تعيش في كونٍ له قوانينهُ وأعرافه ومآسيه. وإذا كان الجواب: لا، ليس هناك من صعوبة أمام الربِّ، فهذا يعني قبول الله في حريّته، وتسليم العالم والخلائق إليه رعايته ورعاية الآخر. إذن الإيمان يتطلّب: طاعة وتسليم الذات الكامل بيد الله. فيُطلَب من إبراهيم وسارة (منّا) أن يتركا حياتهم بواقعها المحدود بيد الله ليعملَ مشيئتهُ، فمُستقبلهم هو تحت عناية الله وهنا تكمُن صعوبتهما. الإيمان نداء للإيمان بالله، مثلما يُريد أن يُقدّم ذاته في الوقت الذي يشاء. نداء سمعه إبراهيم وسارة وجموع كثيرة من مدعويين وصولاً إلى مريم التي تقفَ "رمزاً" للجماعة المؤمنة، "فما مَن شيءٍ غير ممكنٍ عند الله". فقالت مريمُ: "أنا خادمة الربِّ: فليكن لي كما تقولُ" (لوقا 1: 37- 38). والأمر لا يقف عند موضوع الولادة، بل يتعدّى إلى صعوبة التباعة، التلمذة ليسوع المسيح. هل هذا يعني أن الله عاجزٌ عن فعلِ مشيئتهِ إذا ما واجهَ رفضاً من الإنسان الغير المؤمن؟ كلا، فالله الله هو، وهو قادرٌ على أن يُتمِمَ مشيئتهُ بإيمان الإنسان وطاعته، مثلما هو قادرٌ على تكميل إرادته من خلال رفضِ الإنسان وخوفه وإستهزاءه. لقدّ تعلّم إبراهيم وسارة أن الحصول على الإبن، الوريث لن يكون طريقاً مفروشاً بالورد، بل طريقٌ مؤلم يُعاش عبر تخلٍ وتجرّدٍ وإنتظارٍ طويل: "إسهروا وصلّوا، لئلا تقعوا في التجربة. الروح راغبةٌ ولكنَّ الجسدَ ضعيفٌ" (مر 14: 38).  
قراءة 4313 مرات آخر تعديل على %AM, %30 %048 %2015 %03:%تشرين2

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *