%PM, %19 %644 %2017 %17:%تشرين1

التطويبة الرابعة: طوبى للجياع والعِطاش إلى البرِ فإنهم يُشبعون

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

التطويبة الرابعة

طوبى للجياع والعِطاش إلى البرِ فإنهم يُشبعون

"التطويبات -كما يقول البابا فرنسيس- هي طريق الحياة التي يعلّمنا إياها الرب حتى نسير على خطاه ... التطويبات هي صورة المسيح وبالتالي كل مسيحي ... إنّ التطويبات هي بمعنى آخر البطاقة الشخصية أو هوية المسيحي. إنها تُثبِت بأننا أتباع يسوع. نحن مدعوون لكي نكون طوباويين وأتباع يسوع، أن نواجه الصعاب بروح ومحبة يسوع”. ... “طوبى لمن يبقون مثمرين بينما يواجهون الشرّ الذي يقترفه الآخرون تجاههم، ويغفرون من كل قلبهم. طوبى لمن ينظرون في عيون المهمَّشين والمنبوذين ويظهرون لهم القرب. طوبى لمن يرون الله في كل شخص ويجهدون في سبيل جعل الآخرين يكتشفون المسيح. طوبى لمن يحمون بيتنا المشترك ويهتمّون به. طوبى لمن يتخلّون عن راحتهم الذاتية في سبيل مساعدة الآخرين. طوبى لمن يصلّون ويعملون من أجل تحقيق الوحدة الكاملة بين المسيحيين. كلّ هؤلاء هم رسل رحمة الله وحنانه، وسيُكافَؤون بالتأكيد على ذلك".

إنسان التطويبات هو فقيرُ الروح الذي آمن كلياً بالله، والوديع الذي تحّرر من تجربة التسلّط، والحزين على واقع العالم الخاطئ؛ لذا يكون جائعاً وعطشاً إلى البِر، برِ الله. لا يبحث عن اشباع رغباتهِ وحاجاتهِ الجسدية والمعنوية، بل يُريدُ إتمامَ ما يُريدهُ الله أولاً وقبل كل شيءٍ، ويواصِل عمل الله على الأرض: "طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه" (يو 4: 34).

ولكن، لماذا اختار ربّنا يسوع كلمتي: "الجوع والعطشِ" في تعليمهِ عن واجبِ طلبِ برِّ الله؟ هل يُمكن أن نطوّب الجوع والعطش؟ أَوَ ليسَ الجوع والعطش إهانة لكرامةِ الإنسان؟! فنحن نؤمِن أن لكلَّ إنسان الحق في الطعام والماء من دون تمييز. أَلَم يرفض ربّنا يسوع صرفَ الجموع الجائعة مثلما اقترحَ تلاميذهُ، فأخذ الخُبز والسمكات وبارَك وكسرَ وأعطى التلاميذ والتلاميذ قدّموا للجموع؟! أَلَم يدعو الجياع والعطاش إلى أن يقبلوهُ هو: "أَنا خُبزُ الحَياة. مَن يُقبِلْ إِليَّ فَلَن يَجوع ومَن يُؤمِنْ بي فلَن يَعطَشَ أبَداً" (يو 6: 35).

يتفقَ مُعظم علماء الكتاب المُقدس أن متّى الإنجيلي أضافَ كلمة "البر" إلى التطويبة، فجعل لها توجهاً خاصاً. فهو لا يتنكّر للجوع والعطش اللَّذَين يُعدان شراً يجب محاربتهُ، مثلما فعل الله عندما رافق شعبهُ في البرية حيث صلّوا إليه طالبين طعاماً وماءً. فليس في الجوع والعطش صلاحٌ أو خير يُرتجى، إلا إذا كانَ نذراً من أجل غاية أسمى، كالصوم مثلاً. أرادَ متّى الإنجيلي أن يعودَ إلى نقطة الإنطلاقة: الجوع والعطش إلى البِر، الجوع إلى الله، والذي يُؤكِد بالضرورة على التزام الإنسان في طلِب مشيئة الله: "لتكُن مشيئتُك كما في السماء كذلِك على الأرض"، وسيكون لهذا الإلتزام المسؤول نتائج وثمار عملية تتركّز في "جعل الله في المركز"، والعمل على إزالة الظلم والفوضى والحرب والفقر والمجاعة عن وجه الأرض، وهو ما فعلهُ ربّنا يسوع في حياتهِ مع الفقراء والجياع والعطاش والمسحوقين والمرضى والمنبوذين، حتّى قدّمَّ نفسهُ خُبزاً يُؤكَل وشراباً يروي عطشَ الإنسان.

لقد عانى الشعبُ مراراً من حالة الخطيئة: إنعدامِ البِر وكثرةِ المظالِم وانحرافِ القضاء وفساد الحُكم، وتعالت أصوات الأنبياء المُطالبة بتحقيق العدالة: "أجروا الحُكمَ بالحق والعدل" (هوشع 10: 12)، فواصلوا شجب كل أشكالِ الظلم والفساد التي حصلت على يد القضاة والملوك، وعدّوا ذلِكَ إهانة لقداسةِ الله: "وَيلٌ لِلقائِلينَ لِلشَّرِّ خَيراً وللخَيرِ شَرّاً، الجاعِلينَ الظُّلمَةَ نوراً والنّورَ ظُلمَة، الجاعِلينَ المُرَّ حُلْواً والحُلْوَ مُرّاً... المُبَرِّئينَ الشِّرِّيرَ لِأَجلِ رَشوَة، والحارِمينَ البارَّ بِرَّه؛ فلِذلك كما يَلتَهِمُ لَهيبُ النَّارِ القَشّ وكما يَفْنى الحَشيشُ المُلتَهِب يَكونُ أَصلُهم كالنَّتْن وبُرعُمُهم يَتَناثَرُ كالتُّراب لِأَنَّهم نَبَذوا شَريعةَ رَبِّ القُوَّات واستَهانوا بِكَلِمَةِ قُدُّوسِ إِسْرائيل" (إش 5: 20 -24). ولأنهم، أي الأنبياء، كانوا يعرفون مدى جسامة خطيئة الإنسان وتعرض العدل والقضاء إلى الفساد، كانوا يتطلعون إلى مجيء الماشيحا الذي سيحكُم بالبِر: "ها إنَّها ستأتي أَيَّامٌ ، يَقولُ الرَّبّ أُقيمُ فيها لِداوُدَ نَبْتاً بارّاً ويَملِكُ مَلِكٌ يَتَصَرَّفُ بِفِطنَة ويُجري الحُكمَ والبِرَّ في الأَرض. في أَيَّامِه يُخَلَّصُ يَهوذا ويَسكُن إِسْرائيلُ في أَمان. والاسمُ الَّذي سيُدْعى بِه هو الرَّبُّ بِرُّنا" (إرميا 23: 5- 6)

فبدء البِر هو عند الله؛ ليجذُبَ الكلَّ إليه، فالله هو الأصل (الجذر)، وهو الذي يمدُّ الساقَ بالغذاء ما دامت متصلّة بالجذرِ لتحملَ الثمار في أوانهِا. هو أب مُحبٌ يُعلِّم أبناءَه طريقَ الاستقامةِ، وإن أخطؤوا وتابوا يستقبلهُم برحمتهِ، فيكون بذلِك أميناً لنفسه: محبّة. فعلى الإنسان التواصل مع الله ليكون لتقواهُ حياةٌ فتحملِ الثمار المرجوة.

مَن هو الجائع والعطشان إلى البر؟

الجائع والعطشان إلى البر: هو إنسان يؤمِن بأن الله وحده هو الذي الذي سيُشبعهُ ويرويهِ، وعليه أن يعي هذه الحاجة في حياتهِ: "أَمَّا أَنا فبِالبِرِّ أُشاهِدُ وَجهَكَ وعِندَ اليَقظَةِ أَشبعُ مِن صورَتكَ" (مز 17: 15)، فلن يُشبع جوعهُ أو يروي عطشهُ تسلطٌ أو مالٌ أو مكانةٌ متميزةٌ أو أي ُّ تطلّعاتٍ إنسانية، فهذا الشكل من الإشباع والإرواء سيتركهُ أكثر جوعاً وعطشاً. الجوع والعطش إلى الله، سيُنظّم كل علاقاتهِ: مع الله ومع الآخرين، ويضعها على المسار الصحيح، فيُعطي الله حقّ التعبّد له بإيمان صادِق وأمين، ويُعطي الإنسان حقّهُ ويرفُض كل أشكال الظلم ِالتي تطال حياة القريب؛ لأنه، أي الإنسان البار، يحمُل حُلمَ الله للخليقة، ويُريدها أن تكون دوماً، مكاناً حسناً فيضعُ السلم حيث العنف، والمحبّة حيث العداوة والنظام حيث الفوضى، واعياً لضعفهِ ومحدودية إمكانياتهِ، وحاجتهِ المُستمرِة إلى الله، إلى التوبة إليه، فلا يتحوّل يوماً من مظلومٍ إلى ظالمٍ، بل يرى "وجه الله" في الفقير والمحتاج: "الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متّى 25: 40).

الجائع والعطشان إلى البر: إنسان يؤمِن بأنّ البِر هو عطيّة من الله: "إِلى أن يُفاضَ علَينا الرُّوحُ مِنَ العَلاء فتَصيرُ البَرِّيَّةُ جَنَّةً وتُحسَبُ الجنَّةُ غاباً ويَسكُنُ الحَقُّ في البَرِّبَّة ويَستَمِرُّ البِرُّ في الجَنَّة ويَكونُ عَمَلُ البِرِّ سَلاماً وفِعلُ البِرِّ راحةً وطُمَأنينَةً لِلأَبَد" (إش 32: 16- 18). عطيّة يقبلهُا بمسؤولية وعليه أن يتحلّى بالشجاعة ليواصِل المسيرة بثباتٍ وحماسٍ مقاوماً تجربة الفتور التي تجعلهُ يتراجعَ ويستكينَ إلى الواقعِ "الشرير" ويقبل به يائساً. الجوع والعطش إلى البِر يدفعان الإنسان الى العمل من أجل القضاء على الجوع والعطش المادي في العالم، وهذا يتطلّب الدخول في حياة الشِركة مع الآخرين بثقةٍ ومحاربة الأنانية التي فيه والتي تجذبهُ إلى ذاتهِ وتجعله ينافِس القريب ويرغبُ في السيطرة عليه والاستيلاء على الخيرات المادية متوهماً أنّ فيها راحتَهُ وسعادتَهُ: "وأَقولُ لِنَفْسي: يا نَفْسِ، لَكِ أَرزاقٌ وافِرَة تَكفيكِ مَؤُونَةَ سِنينَ كَثيرة، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي" (لو 12: 19)

الجائع والعطشان إلى البِر: هو من يسعى من أجل تحقيق صلاح الله في العالم. يُصغي ويتأمَل في كلمتهِ، ويبحث عنه ليكونَ حيثُ يُريدهُ الله. هو يعرِف أن ذلك لن يتحقق إلاّ من خلال مسيرة متيقظة للواقع الذي يعيشه؛ ليتلّمس علامات حضور الله. وكونه جائعاً وعطشاناً إلى البِر يجعلهُ حيّاً وفاعلاً ومُبدعاً يواصِل المسيرة، ولا يدّعي يوماً الوصول أو الشبعَ أو الإرتواء، مؤمناً بأنه مدعوٌ لأن يتعاون مع الله في تحقيقِ البّر (الصلاح): "غَيرَ أَنَّنا نَنتَظِرُ، كما وَعَدَ الله، سَمَواتٍ جَديدةً وأَرضًا جديدةً يُقيمُ فيها البِرّ" (2 بط 3: 13). هذا الإنتظار يخلقُ فيه شوقاً إلى الله، ويقظة لرؤية علاماتهِ في حياته، والإصغاء إلى مشورته الصامتة، فيعمَل على أن يُهيء سُبلَهُ على الأرض: زكريا وإليصابات ومريم ويوسف، فكانوا في حياتهِم طريق الله إلى كل إنسانٍ.

الجائع والعطشان إلى البِر: إنسانٌ يُريد أن يكون عادلاً ومُستقيماً ونزيهاً في علاقاتهِ ومنتبهاً لواقعِ الفقر والظلمِ الذي يفتِك بحياة الكثيرين، فيدفعهُ وعيه وشعوره ليكون مُحباً ورحوماً وسخياً: "وإِن كانَ رَجُلاً فَقيرًا، فلا تَنَمْ ورَهنُه عِندَكَ، بل، عِندَ مَغيبِ الشَّمْس، تَرُدُّه إِلَيه، حتَّى يَنامَ في ردائِه وُيبارِكَكَ، فيُحسَبُ لَكَ بِرٌّ أَمامَ الرَّبِّ إِلهِكَ. لا تَستَغِلَّ أَجيرًا مِسْكينًا أَو فقيرًا مِن إِخوَتكَ أَو مِنَ النزَلاءِ الَّذينَ في أَرضِكَ، في مُدُنِكَ، بلِ ادفَعْ إِلَيه أُجرَتَه في يَومِه، ولا تَغِبْ علَيها الشمْس، لأَنَّه مِسْكين وإِلَيها يَطمَح، لِئَلاَّ يَصرُخ علَيكَ إِلى الرَّبّ، فَتكونَ علَيكَ خَطيئَة" (تث 24: 12- 16). عدالتهُ واستقامتهُ مُقدمَة بصحن المحبة والرحمةِ، وهذا يُجنبهُ السقوط في تجربة "تنصيبِ نفسهِ" ديَّاناً للاخرين، فيبقى الله في المركّز لا ما يظنهُ هو ويعتقدهُ، ويكشِف هو عن نفسه إنساناً مُعتدلاً وفطناً في رؤيته وأحكامهِ. محبّة وإهتمامٌ يتجاوز حاجةِ الفقير المادية والمُباشرة ليشمُل حياتهُ كلهّا، فلا يُجازيه على وفقِ ما يستحقُّ فحسب، بل يُعاملهُ بالمحبة أيضاً فيُعطيه أكثر مما يستحق (عمال الساعة الأخيرة: متّى 20: 1- 16).

الجائع والعطشان إلى البِر: ليس شخصاً أنانياً منغلقاً على ذاتهِ وحاجاتهِ: الجوع والعطش، بل يُصلي طالباً "العملَ بمشيئةِ الله"، وهذه الصلاة الفاعلة تجعلهُ منفتحاً على حاجاتِ الآخرين؛ لأنه يرى العالم بعيون الله. فلا يُطالِب الآخرين بأن يكونوا صالحينَ بل يبدأ مسيرة الصلاح من نفسه: فيصومَ ليوفّر الطعام للجياع، ويُصلي ليكون صوتاً للمظلومين والمُهَمَّشين، ويَتَصدّق (يُحسِن) على المُحتاجين ليُشارِكهم عطايا الله. فالجوع والعطش إلى البر يُحِرران الإنسان من نفسهِ ليكون كلياً لله، ويصدقُ في تعبده لهُ: "أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟! أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ" (إش 58: 6-7).

الجائعِ والعطشان إلى البر: إنسان مُحبٌّ للناس (حكمة 12: 19)، يُبالي بما يُعانيه الفقراء من جوعٍ وعطشٍ إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة: الخبز والماء، ويشعر في قلبهِ انها مُعاناتهُ هو، ويُشفِق عليهم مثلما أشفقَ ربّنا يسوع: "أُشفِقُ على هذا الجَمْع، فَإِنَّهُم مُنذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يُلازِمونَني، ولَيسَ عِندَهم ما يَأكُلون. وإِن صَرَفتُهم إِلى بَيوتِهم صائمين، خارَت قُواهم في الطَّريق، ومِنهُم مَن جاءَ مِن مَكانٍ بَعيد" (مر 8: 2-3). فلا يُمكن أن يكون مثل الغني الذي رأى معاناة لعازر المسكين وتركهُ يُقاسي العذاب، من دون أن يصلَ صُراخهُ إلى قلبهِ. إيمانهُ بالله يدفعهُ إلى محبّة القريب، فالإيمان من دون أعمال ميّت (يعقوب 2: 17). يستقبِل الإنسان البار كلَّ ما يأتيهِ من الله بشكرٍ وفرحٍ، ويعمَل على تجسيد هذا الفرح من خلال استجابات مُحبة لله وتعبدٍ نزيهٍ يُمجِد فيه الربَّ وينعمُ القريب بحياة كريمةٍ ويقف متضامناً مع الفقير والمسكين واليتيم والأرملة والمُستضعَف.

الجائع والعطشان إلى البِر: إنسان يعيش حياتهُ على وفقَ فكِرِ الربِّ ويسعى لإتمام إرادتهِ في حياتهِ، فيمتلِك علاقاتٍ صحيحة مع العالم ومع الآخرين. فيه جوعٌ وعطشٌ إلى الربِّ، وهذا يعني عملياً أنّ فيه جوعاً وعطشاً إلى أمرين لا ينفصلان: العدالة وحياة القداسة، إلى الله، فهو ليس ثورياً يرغبُ في تغيير الأنظمة السياسية والاجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية بين البشر فحسب، بل يُريد أن تكون هذه خطوة نحو حياة القداسة، أي الإتحاد بالله القدوّس: "أَنَّ الَّذي دَعاكم هَو قُدُّوَس، فكذلِكَ كُونوا أَنتم قِدِّيسينَ في سيرَتِكم كُلِّها، لأَنَّه مَكتوب: "كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا قُدُّوس" (1 بط 1: 15- 16). ويشهدُ التاريخ الإنساني لحركات طالبَت بتحقيق العدالة وحرّكت الجماهير وقامت بثوراتٍ غيّرت فيها أنظمة مُستبدة لتتحوّل هي نفسها إلى أنظمة أكثر استبداداً من سابقتها؛ لأنها كانت تخلو من منطلقات روحية، من الله.

يسوع الجائع والعطشان إلى البِر

        تربىّ ربّنا يسوع في بيت يوسف ومريم اللّذين عاشا البر من خلال طاعتهما لله وإن لم يستوعبا حقاً معنى تجسدهِ. وقدّم متّى الإنجيلي يوسفَ بوصفه "باراً" (متّى 1: 18)، والذي أبقى الحوار مع الله متواصلاً لاسيما في الساعات الحرجة التي اختبرها في حياتهِ، فصلّى وقت الأزمةِ وكشفَ في ذلك عن صداقةٍ أصيلة مع الله، فلم يتركهُ الله في ضيقهِ فأرسلَ إليهِ ملاكهُ ليُثبّته في الإيمان ويكشِف عن هوية مريم وعنّ سرّ الحبل الإلهي، وكلّفه برسالة: "أن يُسمي الطفل" ليكون والدَهُ الشرعي.

بِر يوسف تجلّى في استعدادهِ ليكون تحت تصّرف الله وخدمة مشروعهِ، مؤمناً بهِ حتّى لو لم يفهَم ما يُريده الله منه. برّه جعله قادراً على تمييز إرادته؛ لأنه أصغى باعتناءٍ لصوتِه، وأعطى المكانة المُطلقة لله في حياتهِ، ولم يدع أفكاره وتأملاتهِ كي تجرّه إلى طُرق عنيفة أو صاخبة وإلى حلول فوضويةٍ، بل واصل السير في ظلمة الأفكار التي تتصارَع فيه، فاستسلمَ كلياً لله (نامَ نومَ المتأمِل)، حتّى لو لم يفهم تدبير الله ومطالبهِ: "يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 126: 2)، ونومٌ البار ليس تهرباً من مشروع الله، بل انفتاح على الحضور الإلهي في حالةٍ من الوعي، إذ يضعُ الإنسان جانباً ما يُفكِر به ليسمَح لله بالتفكير فيه ومن خلالهِ.

برّه كان في فعل الطاعة الذي التزمَ به: "فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ"، فلم يُؤجِل المهمّة لأيامٍ، ولم يستشر مُفسِّرَ أحلامٍ، بل كمّل كل ما أوصاه به الملاك، فصار الحارس والمُدبر والمعتني والمُحّب والمرافِق للأم وطفلها مُتخلياً عن إرادتهِ ورغباتهِ الشخصية ليكون تحت تصرّف تدبير الله الخلاصي. دُعي ليُحبِ خطيبتهُ وزوجته في بتوليتها، ويعتني بطفلها من دون أن يتوقّع مكافأتٍ شخصيةٍ، بل كان عليه تحمُلُ المشقات بسبب هذه الدعوة. دعوته كانت: أن يكون الأب المرئي لتدبير الله الخلاصي على الأرض، أن يخدُم إبن الله وأمه بسخاء تامٍ، وهذه مكافأة بحدّ ذاتها.

وعندما بدأ يوحنا المعمذان رسالتهُ دعا الجموع إلى معموذية التوبة، أي، العيش بأسلوب حياة يختلِف عن المتعارَف عليه، فكان عليهم أن يتركوا عالم الخطيئة والدخول في عالم الله، واستجابَ كثيرون لدعوته، وبضمنهم ربّنا يسوع الذي تقدّم لينالَ العماذ منه، وعندما عارضهُ يوحنا أجابَ ربّنا: "دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ" (متّى 3: 15)، فكانت عبارة "البِر" أولى كلمات ربّنا يسوع في إنجيل متّى. وفي تقدّمه للعماذ أرادَ أن يدخلُ في عالمِ الله، فيعيش أسلوب حياة جديد على الأرض فيُحوّل الأرض إلى سماء (عالم الله)، لذلك؛ انفتحَت السموات له عند عماذه: "واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متّى 3: 16- 17). 

"ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس. فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع" (متّى 4: 1-2)، فما الذي فعلهُ ربّنا يسوع في مواجهةِ الجوع؟ 

        طلبَ المُجرِّب من ربّنا يسوع تحويل الحجارة إلى خبزٍ. أرادَ أن يُجرِّب الله الذي خلقَ كلَّ شيءٍ، وفي تجربتهِ هذه كان يُريد السيطرة على قوّة الله لصالحهِ ليخلُق عالمنا مثلما يراه هو: أنانياً، جشعاً ومليئاً بالعنف والصراعات، ويجعَل من ربنا يسوع المُخلِّص ساحراً، ويُبعِده عن أبيهِ، فيترُك العناية الإلهية ليتّكِل على المخلوقات: الحجارة. لكنَّ ربّنا يسوع كانت سعيداً بالحجارة التي رافقته طوال أربعين يوماً وأربعين ليلة، واستمتَعَ بمنظرها، فلم يرغَب بأن تكون غير ما أرادَ الله الخالِق أن تكون، مؤكداً على ضرورة الإيمان والاتكال على الله الآب، مثلما كُتِبَ في سفر تثنية الإشتراع: "لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان" (تث 8: 3). فعليهِ أن يُواصِل الصلاة كل حينِ إلى الله الآب من دون اللجوء إلى "آلهةٍ" أخرى مزيفة، لأن كلمة فم الله هي ثمرةُ محبة قلبهِ، وكلمة الله هي كلمة خلاصٍ، وحياةٌ للإنسان.

        ربّنا يسوع عاش حياة البِرّ الإلهية وأتمّها في حياتهِ مُجسداً محبّة الله وبرّه على الأرض، ونذكُر هنا حادثتين:

        الأولى: عندما شاهد الجموع الكثيرة التي تبعتهُ متعَبة وجائعة أشفقَ عليهم فقدّم لهم خُبزاً وسمكاً مُباركاً: "ثُمَّ أَخذَ الأَرغِفَةَ السَّبعَةَ والسَّمَكات، وشكَرَ وكسرَها وناوَلَها تَلاميذَه، والتَّلاميذُ ناوَلوها الجُموع. فأَكَلوا كُلُّهم حتَّى شَبِعوا ... وكانَ الآكِلونَ أَربَعَةَ آلافِ رَجُل، ما عدا النِّساءَ والأَولاد" (متّى 15: 36- 38). لم يشبَع هو حتّى شبعوا كلّهم، ولم يكن هناك تمييز وتفضيل لشخص على آخر. كل شخص نالَ حصتهُ بالتساوي، في واقعٍ كان يُميِّز بين الرجل والمرأة والأطفال، ويُصنّف الناس إلى مجموعاتٍ، مفضلاً هذا على ذاك. في واقع ملكوت الله، بِر الله، الجميع متساوون أمام الله الآب، وهذا ما يحصل في سرّ الأفخارستيا فالجميع يقبل جسد ربّنا يسوع ودمهُ.

        والثانية: عندما حانت ساعت رحيله عن الأرض، أعطانا جسدهُ ودمهُ ليكون طعاماً وشراباً من أجل إعادة بناء العلاقة مع الله الآب: المُصالحة. وهو يدعونا إلى أن نصنعَ هذا لذكرهِ، ليس في قبولنا جسده ودمه فحسب، بل عندما نُصبحُ نحن أفخارستيا للآخرين، فلن يهدأ لنا بالٌ ما لم يُرفَع الظلم والجوع والعطش عن الآخرين. هذا هو (بِرُّ) المسيح، هذه هي عدالته التي يدعونا إليها:عدالة نابعة من نعمةٍ إلهية كما يقول البابا بندكتس السادس عشر في رسالة الصوم الكبير لسنة 2010، حين كتبَ متسائلاً:

ما هي إذن عدالة المسيح؟

إنها، قبل كل شيء، العدالة الآتية من النعمة، فليس الإنسان هو مَن يسنّ القوانين ويشفي نفسه والآخرين. ... التوبة إلى المسيح، الإيمان بالإنجيل، تعني في النهاية: الخروج من وهم الاكتفاء الذاتي بغية أن يكتشف الإنسان ويقبل حاجته – الحاجة الى الآخر ، الحاجة الى الله، الى غفرانه وصداقته. نفهم إذن كيف أن الإيمان بعيد عن أن يكون واقعاً طبيعياً ومريحاً وواضحاً: التواضع ضروري لأقبل بحاجتي الى آخر ليحررني من “ما هو لي”، ليمنحني بمجانية “ما هو له”. وهذا يحصل على نحوٍ خاص في سري المصالحة والافخارستيا ... العدالة التي تشعر في كل حالة بانها مدينة أكثر منها دائنة؛ لأنها حصلت على أكثر ممّا كانت تتوقعه”. بقوة هذه الخبرة بالذات، على المسيحي واجب المساهمة في بناء مجتمعات عادلة، حيث يحصل الجميع على ما هو ضروري للعيش بكرامة تليق بالشخص البشري وحيث العدالة تغذيها المحبة.

        فإذا كنتَ جائعاً وعطشاناً إلى البِر، ربّنا يسوع يُطوبَّك؛ لأنّك نلتهُ بالإيمان به: "أَمَّا الآن فقَد أُظهِرَ بِرُّ اللّهِ بِمَعزِلٍ عنِ الشَّريعة، تَشهَدُ لَه الشَّريعةُ والأَنبياء، هو بِرُّ الله، وطَريقُه الإِيمانُ بِيَسوعَ المسيح، لِجَميعِ الَّذينَ آمَنوا، لا فَرْق" (روم 3: 21- 22).

أسئلة للتأمل الشخصي:

  1. هل تشعر بحاجتِكَ إلى الله؟ هل تشعر "بالجوع والعطش" لربّنا يسوع؟ وما الذي يدفعك لقبول ربّنا يسوع في سرِّ الأفخارستيا؟ أهو واجبٌ ومطلبٌ كنسي، أم إنّك تشعر باشتياقٍ إلى العيش بحسبِ مشيئة الله الآب وتعي حقيقة ضعفِكَ ومحدودية إمكانيّاتِك، وتُريد تحقيق مشيئة الله وتطلبُ عونهُ وحضورهُ معك؟
  2. ما الذي تفعلهُ عادة عندما تختبرُ أزمة إيمان أو مُشكلة في علاقتكِ؟ هل تسأل عن السبب والمُسببات ومن هو المُخطئ؟ هل تتأمل ما الذي يُريدهُ الله منك ولك في مثل هذه الأوقات؟ هل تستشير كاهنا أو راهبا أو راهبة؟ هل تُصلي الأزمة وتتحاور فيها مع الله؟ هل تؤمِن بأنَّ الله وبسبب محبتهِ الأبوية يُريد لكَ نُضجَ الإيمان والشخصية حتّى وقت الأزمات؟
  3. أتلتزم بالصلاة والصوم والصدّقة للآخرين لأن ربّنا يسوع والكنيسة أوصيا بذلِك، أم انّك تبحث عن مديحٍ أو مكافأة معنوية، أم إنّك تشعُرُ بالحاجة إلى "الله" وتُريد التواصل معه والوصولَ إليه بتقواك هذه؟ التقوى الإجبارية تجعلنا أكثر جوعاً وعَطَشَاً ولن تُشبِع جوعنا وعطشنا الروحي. الصوم يبدأ من الانقطاع عن السلوكيات الظالمة والمواقف الشريرة. فما هي السلوكيات والمواقف التي يجب عليكَ أن تصومَ عنها اليوم؟ الصلاة ممارسة لعدالة تُطالبنا بتقديم الشكر لله على رعايته وتدبيره الأبوي، أَفَنُصلي شاكرين أم مُتذمرين؟
  4. ما الذي تفعلهُ إزاء الفقر والمجاعة والظلمِ الذي يشهدهُ عالمنا؟ أَتذكر ذلك في صلاتِك إلى الله، أم تصمتُ حزيناً على هذا الواقع الشرير، أم أن الأمر لا يعنيَك؛ لأنّك تشعرُ بضعفِك إزاء هولِ الشر الذي فيه،أم أنّك لا تُفكر فيه البتة؟
  5. أوصى ربنا يسوع تلاميذهُ بالاجتهاد في طلبِ البرِ: "فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات" (متّى 5: 20). ووبّخَ ربّنا يسوع إدعاء الفريسيين وزيف تقواهم، فكيفَ ترى نفسكَ أمام هذا المطلب؟ هل لك أن تُميز بين الإيمان والتديّن في مسيرتك الروحية؟ ما هي السلوكيات الفريسيّة التي عليك الاقلاع عنها؟ هل أنَّ صلاتك وصومَك وإحسانَك يدفعك لدينونة الآخرين والنظر إليهم بوصفهم خطأة لا يستحقون الحياة؟ إنتبه فهي أخطر مظاهر الفريسيّة التي شجبها ربّنا يسوع؟
  6. طلبَ ربنا يسوع من الشاب: "إذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني" (متّى 19: 21)، عليك أن تُعيد تنظيم حياتِك انطلاقاً من واقع الفقراء. أنت مدعو إلى التباعة أي إلى الدخول في حياة الثالوث، فوجود الفقراء يعني أن سلطان الخطيئة مازال هو المُتحكِم في حياة البشر، ووجود الفقراء في العالم يعني أيضاً أنّك مسؤولٌ عن ذلِك. فهل تشعُر بهذه المسؤولية؟ كيف تُدبّر مُقتنياتِك؟ وكيف تتعامل مع الفائض منها؟ هل شعرتَ بالحزنِ إزاء خسارة مادية واجهتها في حياتِك؟ أمازلتَ تتذكر هذه الحادثة وتحزن بسببها؟
  7. ما الذي يدفعُك لتكون مُعتدلاً في نظرتِك وقنوعاً في تطلّعاتِك وعادلاً في أحكامِك؟ أَهي مُتطلباتٌ إلهية مٌلزِمةٌ (مفروضة عليك)، أم إنها وسيلة لكسبِ احترام الناس وإعجابهم، أم أنّك تجد فيها الفرصة للتعبير عن واجب الشُكرِ لله على عطيّة الإيمان؟ هل تعي حقيقة أن التقوى هي ثمرة عمل الروح فيكَ، وأنّهاهي التي تُهيئكَ للقداسة؟ وهل تُصلي من أجل أن تكون "قديساً" في الكنيسة؟ 
قراءة 18322 مرات

233 تعليقات

  • تعليق MichaKenede %PM, %15 %627 %2020 %17:%تموز أرفق MichaKenede

    Nicely put. Cheers. canada drugs online
    k854jim v898ly 4e8bcf9

  • تعليق wilferdseo %PM, %15 %620 %2020 %16:%تموز أرفق wilferdseo

    TikTok fined for mishandling child dataسایت شرط بندیTesla's 'Autopilot' misleading, Germany rules

  • تعليق wilferdseo %PM, %15 %541 %2020 %14:%تموز أرفق wilferdseo

    بازي انفجار ضريب بالا
    فنون بازي انفجار
    دانلود بازي قمار انفجار
    بازي انفجار معتبر
    يادگيري بازي انفجار
    چگونه بازي انفجار را ببريم
    چگونه در بازي انفجار هميشه برنده باشيم
    سايت هاي داراي بازي انفجار
    بازي شرطي آنلاين انفجار
    ضریب بازی انفجار
    آموزش بازی انفجار ولف بت
    بازی انفجار 2 ولف بت
    بازی انلاین انفجار 2 ولف بت
    برنامه انفجار ولف بت
    سایت wolfbet
    سایت شرط بندی wolfbet
    سایت پیش بینی wolfbet
    حضرات بت
    بازی انفجار حضرات
    آدرس سایت حضرات
    ورود به سایت حضرات
    ثبت نام حضرات
    حضرات بت
    سایت حضرات بدون فیلتر
    شرط بندی حضرات
    پیش بینی حضرات پویان مختاری
    سایت پیش بینی بت 90
    سایت شرط بندی معتبر بت نود
    آدرس جدید سایت بت 90
    تک بت
    تک بت 90
    آدرس جدید تک بت
    شرط بندی تک بت
    تک بت بدون فیلتر
    بت فا شرط بندی فوتبال
    شرط بندی فوتبال betfa
    ادرس شرط بندی betfa
    betfa پیش بینی
    هک بازی انفجار ای بی تی 90
    آموزش بازی انفجار ای بی تی 90
    بازی انفجار 2 ای بی تی 90
    بازی انلاین انفجار 2 ای بی تی 90
    برنامه انفجار ای بی تی 90
    سایت abt90
    سایت شرط بندی abt90
    سایت پیش بینی abt90s
    سایت شرط بندی abt90
    abt90
    تک شوت شرط بندی فوتبال
    شرط بندی فوتبال takshoot
    ادرس شرط بندی takshoot
    takshoot پیش بینی
    بازی انفجار انلاین تک شوت
    هات بت
    بازی انفجار هات بت
    آدرس سایت هات بت
    ورود به سایت هات بت
    ثبت نام هات بت
    هات بت
    سایت هات بت بدون فیلتر
    شرط بندی هات بت
    پیش بینی هات بت دنیا جهانبخت
    شرط بندی انفجار دنیا جهانبخت
    بازی انلاین انفجار 2 تاینی بت
    سایت انفجار 2 تاینی بت
    سایت پیش بینی فوتبال تاینی بت
    سایت پیش بینی تاینی بت
    جت بت 90
    آدرس جت بت 90
    آدرس جدید سایت جت بت 90
    شرط بندی جت بت 90
    جت بت 90 بدون فیلتر
    جت بت 90 شرط بندی فوتبال
    سایت انفجار 2 شارک بت
    سایت پیش بینی فوتبال شارک بت
    سایت پیش بینی شارک بت
    سایت شارک بت رادیو جوان
    پابلو بت
    آدرس پابلو بت
    آدرس جدید سایت پابلو بت
    شرط بندی پابلوبت
    پابلوبت بدون فیلتر
    پابلوبت شرط بندی فوتبال
    سایت انفجار 2 بالاگل
    سایت پیش بینی فوتبال بالاگل
    سایت پیش بینی بالاگل
    سایت بالاگل
    سایت شرط بندی یاس بت
    آدرس جدید و بدون فیلتر یاس بت
    یاس بت- آدرس جدید یاس بت
    سایت شرط بندی یاس بت
    جدید ترین ادرس یاس بت
    سایت betplus
    سایت جدید شرط بندی betplus
    بهترین سایت پیش بینی betplus
    بازی انفجار بت پلاس
    سایت بازی انفجار معتبر بت پلاس
    ثبت نام بازی انفجار 2 منوتوبت
    منوتوبت انفجار
    سایت پیش بینی منوتوبت
    سایت پیشبینی فوتبال منوتوبت
    ورود به سایت منوتوبت
    سایت پیش بینی بت فوروارد
    سایت پیشبینی فوتبال بت فوروارد
    ورود به سایت بت فوروارد
    اپلیکیشن بت فوروارد
    ثبت نام بت فوروارد
    آموزش بازی انفجار بت فوروارد
    سایت پیش بینی تاک تیک
    سایت پیشبینی فوتبال تاک تیک
    ورود به سایت تاک تیک
    اپلیکیشن تاک تیک
    ثبت نام تاک تیک
    آموزش بازی انفجار تاک تیک
    سایت شرط بندی bet365
    ادرس سایت شرط بندی bet365
    پیش بینی ورزشی bet365
    سایت پیش بینی بت 365
    سایت پیشبینی فوتبال بت 365
    سنگین بت
    بازی انفجار سنگین بت
    آدرس سایت سنگین بت
    ورود به سایت سنگین بت
    ثبت نام سنگین بت
    سنگین بت
    سایت سنگین بت بدون فیلتر
    شرط بندی سنگین بت
    پیش بینی سنگین بت حصین
    ورود به سایت بتکارت
    اپلیکیشن بتکارت
    ثبت نام بتکارت
    آموزش بازی انفجار بتکارت
    سایت شرط بندی ace90
    ادرس سایت شرط بندی ace90
    پیش بینی ورزشی ace90
    سایت بازی انفجار اس 90
    سايت بازی انفجار اس 90
    ثبت نام بازی انفجار 2 اس 90
    اس 90 انفجار
    سایت پیش بینی اس 90
    سایت پیشبینی فوتبال اس 90
    ثبت نام وان ایکس بت
    آموزش بازی انفجار وان ایکس بت
    سایت 1xbet
    وان ایکس بت 1xbet
    سایت جدید شرط بندی ibet90
    بهترین سایت پیش بینی ibet90
    بازی انفجار ای بت
    سایت بازی انفجار معتبر ای بت
    بازی انفجار رایگان میکس 90
    بهترین سایت پیش بینی میکس 90
    بازی انفجار رایگان کنزو بت
    بهترین سایت پیش بینی کنزو بت
    بت برگ
    بت برگ شرط بندی فوتبال
    شرط بندی فوتبال betbarg
    مکس بت 90
    مکس بت شرط بندی فوتبال
    شرط بندی فوتبال maxbet
    بازی انفجار انلاین کینگ بت
    بازی انلاین انفجار 2 کینگ بت 90
    وین نود
    سایت پیش بینی فوتبال وین نود
    ورود به سایت win90
    بازی انفجار انلاین بت 45
    بازی انلاین انفجار 2 بت 45
    سایت پیش بینی فوتبال بت 45
    تاس وگاس
    تاس وگاس شرط بندی فوتبال
    شرط بندی فوتبال tasvegas
    tasvegas پیش بینی فوتبال
    بازی انفجار انلاین تاس وگاس
    بازی انلاین انفجار 2 چیتا بت
    سایت پیش بینی فوتبال چیتا بت
    ادرس جدید چیتا بت
    ادرس سایت بت اسپات
    سایت بت اسپات
    بت اسپات
    سایت رومابت
    ادرس سایت روما بت
    سایت بت اسپات
    رومابت
    پیش بینی ورزشی casinoiran
    سایت بازی انفجار کازینو ایران
    ثبت نام بازی انفجار 2 کازینو ایران
    سایت پیش بینی کازینو ایران
    سایت پیش بینی ایرانیان بت
    سایت جدید ایرانیان بت
    سایت پیش بینی ایرانیان بت
    ادرس سایت iranianbet
    سایت ایرانیان بت
    هک بازی انفجار 69 بت
    بازی انفجار 2 پیام صادقیان
    بازی انلاین انفجار 2 پیام صادقیان
    برنامه انفجار 69 بت
    سایت 69‌Bet
    سایت شرط بندی 69‌Bet
    سایت پیش بینی 69‌Bet پیام صادقیان
    پیش بینی مسابقات 69bet
    سایت بازی انفجار کنت بت
    ثبت نام بازی انفجار 2 کنت بت
    سایت پیش بینی کنت بت
    سایت جدید کنت بت
    پیش بینی لاتی بت
    هک بازی انفجار لاتی بت
    بازی انفجار 2 لاتی بت
    بازی انلاین انفجار 2 لاتی بت
    برنامه انفجار لاتی بت
    سایت latibet
    سایت شرط بندی latibet
    سایت پیش بینی latibet
    پیش بینی مسابقات latibet
    سایت پیش بینی فان بت
    ادرس سایت funbet24
    سایت فان بت 24
    سایت بازی انفجار تهران بت
    ثبت نام بازی انفجار 2 تهران بت
    سایت پیش بینی تهران بت
    سایت بت بال
    سایت بت بال شرط بندی
    سایت شرط بندی betball90
    پیش بینی ورزشی betball90
    تخته نرد آنلاین پولی ایرانی
    سایت بازی تخته نرد آنلاین پولی
    تخته آنلاین شرطی
    شرط بندی تخته انلاین
    بهترین سایت تخته نرد انلاین شرطی
    شرط بندی تخته نرد حرفه ای
    راهنمای سایت تخته
    چهار برگ انلاین
    شرط بندی چهار برگ بلوتوثی رایگان
    چهار برگ بلوتوثی اندروید
    ترفندهای بازی حکم
    بازی حکم 4 نفره
    شرط بندی حکم و شلم آنلاین
    حکم آنلاین پولی
    آموزش بازی حکم انلاین
    بازی حکم شرطی
    ترفندهای شرط بندی حکم
    بازی حکم انلاین
    بلک جک | بلک جک شرطی
    بازی شرط بندی ورق بلک جک
    سایت بلک جک 21
    استراتژی و ترفند بلک جک
    بازی رولت اندروید
    سایت بازی رولت انلاین ایرانی
    بازی رولت شرطی انلاین
    ترفند رولت اروپایی
    سایت رولت اروپایی
    شرط بندی آنلاین رولت کازینو
    شرط بندی انلاین رولت بزرگ
    شرط بندی پوکر هاوس
    سايت پوکر هاوس | سايت پوکر شرطی ايرانی پولی
    شرط بندی ویلون پوکر
    پوکر پنج کارتی
    پوکر پولی
    سایت بازی پوکر کازینو
    شرط بندی پوکر آنلاین با کارت شتاب
    شرط بندی بدون فیلتر
    سایت شرط بندی معتبر ایرانی
    کانال تلگرام شرط بندی و پیشبینی
    بهترین سایت شرط بندی انلاین
    شرط بندی معتبر خارجی
    سایت شرط بندی  | شرط بندی معتبر
    بهترین سایت انلاین پیش بینی فوتبال
    بهترین سایت شرط بندی فوتبال
    سایت شرط بندی ورزشی
    شرط بندی مطمئن
    مطمئن ترین سایت شرط بندی فوتبال
    بهترين سايت شرط بندي فوتبال
    سایت شرط بندی با درگاه مستقیم
    شرط بندی زنده ورزشی
    شرط بندی پیش بینی اینترنتی
    معتبرترین پیش بینی آنلاین
    سایت های پیش بینی فوتبال
    سایت پیش بینی انلاین فوتبال معتبر
    معتبرترین سایت پیش بینی ایرانی
    سایت پیش بینی نتایج لیگ قهرمانان اروپا
    پیش بینی آنلاین مسابقات فوتبال معتبر
    سایت پیش بینی آنلاین مسابقات فوتبال معتبر
    پیش بینی فوتبال اروپا
    روش پیش بینی فوتبال
    پیش بینی بت آنلاین
    پیش بینی انلاین دقیق فوتبال
    پیش بینی انلاین فوتبال با جایزه
    ادرس سایت وین پارس
    سایت وین پارس
    وین پارس
    سایت سیب بت
    ادرس سایت سیب بت
    سایت سیب بت 90
    سیب بت
    سایت شرط بندی آی جی بت
    سایت شرط بندی آی جی بت
    سایت igbet
    بهترین سایت پیش بینی igbet
    بازی انفجار آی جی بت
    ورود به سایت ایران ایکس بت
    اپلیکیشن ایران ایکس بت
    ثبت نام ایران ایکس بت
    آموزش بازی انفجار ایران ایکس بت
    سایت irxbet
    ایران ایکس بت irxbet
    ورود به سایت بت برو
    اپلیکیشن بت برو
    ثبت نام بت برو
    آموزش بازی انفجار بت برو
    سایت betboro
    بت برو betboro
    سایت شرط بندی بت لند
    سایت پیش بینی فوتبال بت لند
    سایت شرط بندی دیجی بت
    سایت پیش بینی فوتبال دیجی بت
    سایت شرط بندی بتادین
    سایت پیش بینی فوتبال بتادین
    ادرس سایت بتادین
    سایت شرط بندی آی آر بت 365
    سایت پیش بینی فوتبال آی آر بت 365
    ادرس سایت آی آر بت 365
    ادرس سایت فیفا 90
    سایت fifa90
    سایت پیش بینی fifa90
    ادرس سایت وین 45
    سایت win45
    سایت پیش بینی win45
    ادرس سایت پورتوبت
    سایت portobet
    سایت پیش بینی portobet
    ادرس سایت وین بت
    سایت winbet
    سایت پیش بینی winbet
    https://maps.google.co.vi/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.as/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.co.ck/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.fj/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.co.id/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.fm/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.co.nz/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.nf/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.pn/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.sb/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.to/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.bh/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.bi/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.bz/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.gt/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.hn/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.ht/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.ms/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.nu/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.om/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.sh/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.sn/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.tp/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.co.za/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.co.zm/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.hk/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.ba/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.gi/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.gg/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.ae/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.bo/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.cl/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.ec/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.pe/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.ag/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.off.ai/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.com.cu/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.vg/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.ws/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://maps.google.vu/url?q=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    http://bbs.dedecms.com/goto.php?url=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://my.libsyn.com/auth/logout?referer=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://advisor.wmtransfer.com/SiteDetails.aspx?url=https://musicreviewdatabase.co.uk/
    https://sib365.com
    بازی انفجار آنلاین
    شرط بندی انفجار جم بت
    سایت بازی انفجار ps11
    اپلیکیشن بازی انفجار روبیکس بت
    شرط بندی انفجار لایوبت
    سایت انفجار هات بت
    سایت بازی انفجار حضرات

  • تعليق MichaKenede %PM, %14 %887 %2020 %23:%تموز أرفق MichaKenede

    You said it adequately. canadian online pharmacies q464efb n84hnu 8cfef85

  • تعليق MichaKenger %AM, %14 %158 %2020 %05:%تموز أرفق MichaKenger

    Nicely put, With thanks! canada online pharmacies
    n667oc4 i50gpx 571e3ec

  • تعليق CoreywChuts %PM, %13 %912 %2020 %23:%تموز أرفق CoreywChuts

    Cheers. I appreciate it. mexican pharmacy online
    j735xpw r62jww 9a9554e

  • تعليق MichaKenede %PM, %13 %782 %2020 %20:%تموز أرفق MichaKenede

    Excellent postings. Appreciate it. canadian online pharmacy
    t42whj8 b865ib 85aa2a8

  • تعليق CoreywChuts %PM, %13 %745 %2020 %19:%تموز أرفق CoreywChuts

    Regards. Ample stuff!
    viagra canada
    u23zhff d253zn f1410_e

  • تعليق MatthTtiz %PM, %13 %521 %2020 %14:%تموز أرفق MatthTtiz

    Nicely put. Thanks. mexican pharmacy online top rated canadian pharmacies online
    k40gob4 s52byp l92cuc9 x67mjw m36eudu x72zyo a9554e8

  • تعليق MichaKenger %PM, %13 %421 %2020 %12:%تموز أرفق MichaKenger

    Superb tips. Cheers! canadian pharmacies that ship to us
    s14dnxc e38cee 1e3ec9e

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *